أبناء موسى ابن شاكر

أبناء موسى ابن شاكر

يُعد أبناء موسى ابن شاكر — محمد وأحمد والحسن — من أعظم علماء العصر العباسي في القرن الثالث الهجري، وقد أسهموا بدور محوري في تقدّم العلوم التطبيقية والرياضية والفلكية والهندسية. نشأ هؤلاء العلماء في بيئة علمية فريدة داخل بيت الحكمة في بغداد، المؤسسة التي كانت تُعدّ أعظم صرح علمي في العالم آنذاك. ولم يكن صعودهم العلمي وليد الصدفة، بل نتيجة دعم سياسي مباشر، وتربية علمية دقيقة، ومنهج بحثي يقوم على العمل الجماعي والتجريب والابتكار.

في هذا المقال نستعرض مسيرتهم العلمية، وخصائص منهجهم، والظروف السياسية التي أحاطت بهم، إضافة إلى إنجازاتهم في علوم الفلك والهندسة والميكانيكا.

الفئةمحمد بن موسى بن شاكرأحمد بن موسى بن شاكرالحسن بن موسى بن شاكر
فترة الحياةقبل 187 – 259هـ / 803 – 873م187 – 259هـ / 803 – 873م195 – 259هـ / 810 – 873م
مجالات التميزالفلك – الهندسة – الفيزياء – طبقات الجو – الميكانيكاالهندسة – الميكانيكا – الآلات – علم الحيلالهندسة – الجغرافيا – الأشكال الإهليلجية – الحلول الهندسية المتقدمة
الاهتمامات الرئيسيةالمشاركة في حركة الترجمة – اقتناء المخطوطات – تطوير العلوم الرياضية – دعم العلماءتطوير الآلات الميكانيكية – ابتكار أدوات عملية – تحسين الأجهزة الفلكيةتطوير الهندسة النظرية – حل مسائل إقليدية – تقدّم في هندسة القطوع
التخصص والإنجازات العلميةتطوير نظريات فلكية – جلب ثابت بن قرة – التأثير في المنطق والفلسفة – المشاركة في إنجاز مشاريع هندسيةاختراع قناديل ذاتية التشغيل – أجهزة ميكانيكية تعتمد على الماء – نوافير مبتكرة – ساعات ميكانيكيةمؤلفات في القطوع المخروطية – حلول هندسية استُخدمت في أوروبا لاحقًا – شهرة عالية في الهندسة الإهليلجية
أبرز المؤلفاتكتاب معرفة مساحة الأشكال البسيطة والكرّية (مشترك) – كتب في الفلكمشارك في كتاب الحيل – آلات ميكانيكية مستخدمة في الري والإنارةرسائل هندسية في القطوع – مشارك في كتاب الحيل
الأساتذة الذين تأثروا بهميحيى بن أبي منصور الفارسي – علماء بيت الحكمةيحيى بن أبي منصور – النخبة العلمية في بغداديحيى بن أبي منصور – علماء الهندسة في بيت الحكمة
التلاميذ الذين أثروا فيهمثابت بن قرّة – علماء بيت الحكمةمهندسو بغداد – خبراء الميكانيكاعدد من علماء الهندسة في المدرسة العباسية
أدوار أخرىدور سياسي في البلاط – دعم المشاريع الإنشائيةإنشاء آلات مراقبة فلكية – مساهمة في مرصد سامراءمستشار هندسي – مشارك في مشاريع القنوات والري
سماتهم الشخصيةواسع الاطلاع – سخي في شراء الكتب – راعٍ للعلماءعملي – مبتكر – تجريبيمنطقي – دقيق – مفكر هندسي عميق

أولًا: منهج أبناء موسى ابن شاكر العلمي

1) العمل الجماعي

من أبرز ما ميّز الإخوة الثلاثة التزامهم الكامل بروح الفريق. كانوا يعملون كفريق بحث موحّد في الجانب النظري والتطبيقي، ومن أبرز الأدلة على ذلك كتابهم الشهير “معرفة مساحة الأشكال البسيطة والكرّية”، الذي يعدّ تطويرًا وامتدادًا لأعمال أرشميدس في حساب مساحة الدائرة والكرة والأسطوانة.
وقد ظهر هذا المنهج واضحًا في توقيعهم الجماعي على الكتاب باسم: “بنو موسى بن شاكر”، كما تكررت في صفحات العمل عبارات مثل: “وذلك ما أردناه…”، بما يعكس وحدة الجهد والعقل.

2) الأمانة العلمية

كان بنو موسى مثالًا في النزاهة والإنصاف العلمي، فحرصوا على نسب كل فكرة إلى صاحبها. فقد كتبوا في أحد مواضع كتابهم:
“فكل ما وصفناه في كتابنا فإنه من عملنا، إلا معرفة المحيط من القطر فإنه من عمل أرشميدس، وإلا معرفة وضع مقدارين بين مقدارين لتتوالى على نسبة واحدة فإنه من عمل مانالاوس”.
وهذا يدل على وعي علمي راقٍ ونظام معرفي منضبط.

3) تبنّي المواهب واحتضان علماء المستقبل

لم يكن عطاؤهم مقتصرًا على البحث فقط، بل تجاوز ذلك إلى رعاية المواهب العلمية. فقد تبنّى محمد بن موسى العالم الكبير ثابت بن قرة، الذي أصبح لاحقًا أحد أشهر علماء الرياضيات والفلك في الحضارة الإسلامية.

4) السخاء في خدمة العلم

عرف عنهم الإنفاق بسخاء من أجل جلب المخطوطات النادرة من الإمبراطورية البيزنطية ومن مراكز المعرفة. كانوا يدفعون الأموال الطائلة للحصول على الكتب، ويدفعون للمترجمين أجورًا مجزية، وهو ما ساهم في إثراء التراث العلمي داخل بيت الحكمة.

ثانيًا: الأحوال السياسية في عصرهم

ازدهرت الحضارة العربية الإسلامية في القرن الثالث الهجري، وبلغت ذروة تقدّمها العلمي في عهد الخليفة المأمون، الذي رفع راية العلم وفتح أبواب الدولة للعلماء.

شهد هذا العصر أحداثًا سياسية مهمة، أبرزها الصراع بين الأمين والمأمون بعد وفاة هارون الرشيد، وقد انتهى الصراع بتولي المأمون الخلافة. ورغم الاضطراب السياسي، كان المأمون يتميّز بحب العلم والعدل، وأسّس في عهده بيت الحكمة، المؤسسة التي تُعدّ محطة تحول في تاريخ المعرفة.

بعد وفاة موسى بن شاكر، أوصى المأمون بنيه الثلاثة، وأسند رعايتهم إلى حاكم بغداد إسحاق بن إبراهيم المصعبي، ثم ألحقهم ببيت الحكمة تحت إشراف الفلكي يحيى بن أبي منصور.
في تلك البيئة العلمية المتقدّمة نشأ الإخوة الثلاثة، وتشرّبوا علوم الفلك والرياضيات والهندسة والميكانيكا والفلسفة.

ثالثًا: المولد والنشأة

تشير الروايات إلى أن موسى بن شاكر كان في شبابه خارجًا عن الطريق القويم في خراسان، لكنه تاب وارتبط بالمأمون، ففتح له باب العلم.
عُرف موسى بإتقانه لعلم الفلك حتى أصبح منجّمًا بارعًا في بلاط المأمون، وحظي بثقته الكبيرة.
وعند وفاته ترك أبناءه الثلاثة تحت رعاية الخليفة.

كبر الأبناء في كنف العلم، ونمت مواهبهم في بيت الحكمة، ثم تولّوا فيما بعد مهام هندسية كبرى كشقّ القنوات والمشاريع الإنشائية في العراق.

رابعًا: علماء الأسرة الثلاثة

1) محمد بن موسى بن شاكر (الأكبر) – حكيم بني موسى

برع في الفلك والفيزياء والهندسة والجغرافيا، وسافر لاقتناء المخطوطات النادرة، وجلب ثابت بن قرة إلى بغداد.
امتاز بسعة علمه، وبتأثيره السياسي والفلسفي.

2) أحمد بن موسى بن شاكر (الأوسط) – عبقري الميكانيكا

كان مولعًا بالهندسة العملية والآلات. اخترع قناديل ترفع فتائلها تلقائيًا، وآلات زراعية تعمل ذاتيًا، وأنظمة ميكانيكية متقدمة للنوافير.
تُعد نظرياته أساسًا لكثير من الابتكارات المائية الحديثة.

3) الحسن بن موسى بن شاكر (الأصغر) – هندسة الأشكال

تفوق في الهندسة الإهليليجية وحلّ مسائل معقدة أثارت إعجاب علماء عصره.
كان مقرّبًا من المأمون، وألّف أبحاثًا اعتمد عليها علماء أوروبا لاحقًا.

خامسًا: مستوى العلم في عصرهم

لم يأتِ بنو موسى في فراغ، بل تقدّموا على تراث عالمي قديم في الميكانيكا، من الصين ومصر والإغريق.
ومن أشهر القصص الدالة على تقدّم العرب ما فعله الخليفة هارون الرشيد حين أهدى ساعة مائية ميكانيكية متقدمة إلى شارلمان ملك الفرنجة.
كانت الساعة آية في الإبداع، تتحرك بالتروس والآليات الدقيقة، وتخرج منها صور الفرسان كل ساعة… لكن الأوروبيين — لجهلهم بهذه التقنية — هدموها ظنًا أنها “مسكونة”!
هذا المشهد يُظهر الفارق العلمي بين الحضارتين آنذاك، ويبرز عبقرية المهندسين المسلمين.

خامسًا: إنجازات أبناء موسى ابن شاكر:

إن سجِلَّ الحضارة العلميَّة الإسلاميَّة سجَّلت لفريق “بني موسى” إنجازات فريدة، تأتي على رأس الإنجازات بالنسبة لتاريخ العلم الإسلامي والعالمي ومنها على سبيل المثال:

قياس محيط الأرض:

وهي المهمة التي كلَّفهم بها الخليفة المأمون، وترأَّس الفريقَ القائمَ بها “محمدُ بنُ موسى بن شاكر” الأخ الأكبر والأشهر علميًّا وسياسيًّا، وضمَّ الفريق إلى جانب الأخَوَين: “أحمد والحسن” مجموعةً من الفلكيين والمسَّاحين (علماء المساحة).. واختارت الجماعة مكانين منبسطين، أحدهما صحراء سنجار، غربي الموصل، والآخر أرضاً مماثلة بالكوفة. وقد اقتضت طريقة الجماعة أن «ينطلق فريقان من جهة ما، فيذهب فريق إلى ناحية الشمـال، وآخـر إلى الجنوب، بحيث يرى الأول منهمـا صعود «التيس»، والثاني هبوطه.

ثم تحسب درجـة خط الطول (Merdian) بواسطة قياس المسافة بين الفريقين المراقبين، وكانت النتيجة دقيقة للغاية؛ فقد توصَّل الفريق إلى أن: محيط الأرض يساوي (66 ميلاً عربيًّا) وهو ما يعادل (47.356 كم) لمدار الأرض، وهي نتيجة مقارِبة جدًّا للطول الحقيقي لمدار الأرض والذي عُرِف حديثًا وهو (40.000 كم) تقريبًا!!

رعايتهم لحركة واسعة للترجمة والنقل من الثقافات واللغات الأخرى إلى العربية:

كتاب معرفة مساحة الأشكال البسيطة والكرية:

كتاب الحيل لبني موسى ابن شاكر:

يأخذ هذا الكتاب مكان الصدارة كأول وأهم الكتب المؤلفة في علم الحيل، حيث ابتكروا عدداً من الآلات الفلاحية، والنافورات التي تظهر صوراً متعددة بالمياه الصاعدة، كما صنعوا عدداً من الآلات المنزلية، ولعب الأطفال، وبعض الآلات المتحركة لجر الأثقال، أو رفعها أو وزنها. وسنتاول ذلك بالتفصيل في المقال القدم بأذن الله.

خاتمة

لقد قدّم أبناء موسى بن شاكر نموذجًا فريدًا للعالم المسلم الذي يجمع بين سعة العلم، وروح الفريق، والابتكار، والبحث المستمر.
أسهموا بإنجازات خالدة في الفلك والميكانيكا والهندسة، وكان لهم دور بارز في تطوّر العلوم في العصر الذهبي الإسلامي.
إن قصتهم تُلهم الباحثين اليوم، وتذكّرنا بأن النهضة تبدأ من الحاضن العلمي الصحيح، والدعم السياسي، والعمل الجماعي.

وبكدة نكون وصلنا لنهاية المقال عن: أبناء موسى ابن شاكر، تابعونا في المقال القادم نتحدث ببعض الاسهاب عن: كتاب الحيل لبني موسى بن شاكر.

للحصول على مزيد من المعلومات برجاء متابعى على المنصات التالية:

الفيسبوكhttps://www.facebook.com/profile.php?id=100088893776257

اليوتيوب: https://www.youtube.com/@ashrafrashad8031

التيك توك:https://www.tiktok.com/@ashraf.r1

الانستاجرام: https://www.instagram.com/ashraf.rashad.58

Exit mobile version