Web Analytics
نشأة الكون - السيرة العطرة

حفظ الضروريات الخمس في الإسلام

حفظ الضروريات الخمس في الإسلام

جاءت الرسالة الإسلامية خاتمةً للرسالات، حاملةً في جوهرها رسالة إنسانية في المقاصد وعالمية في الافق، والرسالة لا تقتصر على زمان أو مكان، بل تخاطب الإنسان بوصفه إنسانًا. وقد أسس النبي ﷺ من خلال تعاليمه وتشريعاته نظامًا اجتماعيًا متكاملًا، غايته تحقيق الأمن والطمأنينة، وضمان الحقوق، وتنظيم الواجبات، ومنع الظلم والاعتداء. ويقوم هذا النظام على مبدأ جوهري يتمثل في حفظ الضروريات الخمس التي لا تستقيم الحياة الإنسانية إلا بها.

وتلك الضرورات هي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض والنسل، وحفظ المال، وبتحقيق هذه الضرورات يأمن الناس في مجتمعاتهم، ويشعرون بالاستقرار، ويحصل كل فرد على حقوقه، ويؤدي ما عليه من واجبات، دون تعدٍّ أو ظلم.

وقد نبّه رسول الله ﷺ إلى خطورة الاعتداء على هذه الضرورات، واعتبره من الموبقات أي المهلكات، لما يترتب عليه من فساد شامل في الفرد والمجتمع، فقال ﷺ:

اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ] [1].

مبايعة النبي ﷺ على حفظ الضروريات

ومن شدة عناية النبي ﷺ بحماية هذه المقاصد الكبرى، أنه بايع أصحابه على حفظها.. كما في قوله:[ تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا، ولا تزنوا ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئاً من ذلك في الدنيا، فستره الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه] [2].. فبايعوه على ذلك.

  • حفظ الدين كما في قوله: (أن لا تشركوا به شيئاً)..  
  • وحفظ النفس في قوله: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)
  • وحفظ النسب والعرض في قوله: (ولا تزنوا) وقوله: (ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم)
  • وحفظ المال، في قوله: (ولا تسرقوا).

وقد كانت هذه البيعة تأكيدًا عمليًا على أن حفظ الضروريات الخمس ليس مجرد مبدأ نظري، بل التزام أخلاقي وسلوكي يقوم عليه بناء المجتمع الإسلامي.

ويدل على عنايته ﷺ بهذه الضرورات إهداره دم من اعتدى على النفس البشرية، حين قال: [لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة] [3].

ونفى رسول الله ﷺ الإيمان عمن إعتدى على هذه الضرورات وقت اعتدائه عليها، وهو نفي لكمال الإيمان الواجب.. بقوله: [لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن] [4].

ويعتبر حفظ الضروريات الخمس في الإسلام مقصد من مقاصد الشريعه، لأن صلاح الدين موقوف على صلاح أمر الدنيا، وقد عبّر الامام الغزالي عن هذا بقوله: “إن نظام الدين لا يحصل إلّا بنظام الدنيا، فنظام الدين بالمعرفة والعبادة، ولا يتوصّل إليهما إلّا بصحة البدن وبقاء الحياة، وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن، فلا ينتظم الدين إلّا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية،

وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقًا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة، وطلب قوته من وجوه الغلبة، متى يتفرغ للعلم والعمل، وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة، فإذًا بان أن نظام الدنيا شرط لنظام الدّين” [5]، فالاسلام منهج شامل لكل جوانب الحياة، وهذا المنهج الشامل يقوم على قواعد راسخة بها تتميز الامة الاسلامية، و قد حدد الفقهاء هذه الضرورات الخمس حسب الترتيب التالي:

أولاً: حفظ الديـــــن:

وبه تستقيم علاقة الإنسان مع ربه وتتحقق به الغاية من وجوده، فالتدين فطرة في الإنسان، وعاصم الإنسانية من التيه والضياع لذلك شرع الله تعالى مجموعة من الأحكام والضوابط لحفظ الدين، وجب على كل مسلم ومسلمه التفقه في الدين فيما يتقرب به إلى الله تعالى فعلا، كالواجب و المندوب والمباح، أو تركا كالمكروه والمحرم، وهي الأحكام التكليفية الخمسة  المعروفة في كتب أصول الفقه.

فلا يقبل الله تعالى من أحد عملا إلا بعلم، قال الإمام البخاري: “باب العلم قبل القول والعمل، قال الله تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ }[6] فبدأ بالعلم، فعلم المسلم بما يجب عليه هو أحد الأبواب الدالة على ضرورة حفظ هذا الدين، وبحفظ الدين الذي هو الضرورة الأولى من ضرورات الحياة تحفظ بقية الضرورات تبعاً لحفظه.

ثانياً: حفظ النفس أو الحياه:

أولى الإسلام حياة الإنسان عناية عظيمة، فجعل الاعتداء على النفس من أعظم الجرائم، وحرّم القتل بغير حق، لما فيه من إهدار للنفس البشرية، التي بها استمرار الحياة للغاية العظيمة التي أرادها الله سبحانه وتعالى، ويعتبر الإنسان في المفهوم الإسلامي، أكرم الكائنات وأشرفها، ومن أجله سخر الله ما في السماوات وما في الأرض، ومنحه نعمة العقل والتفكير والتدبر.

وتمنع كل التصرفات التي تنال من حقه في الحياة، وسلامة البدن والعرض، أو تنقص منه، كتعذيب الإنسان، والعدوان عليه في حياته ماديا أو معنويا، وحتى التمثيل بجثته بعد وفاته، ولو في الحرب، إذ يمتد التكريم للإنسان إلى ما بعد وفاته، وتكفل أحكام الشريعة الحفاظ على كيان الإنسان كله، النفس والجسد والعقل والمشاعر. ومن أجل حفظ النفس الإنسانية فقد أوجب الشارع ما يلي:

تحريم الاعتداء على النفس بالانتحار:

إن المسلم يجب أن يؤمن بأن الله مطلعاً عليه عليماً بأحواله رحيماً به، ولذا حين تحيط به الشدائد وتلم به المصائب، عليه أن يتوجه إليه بالدعاء طالباً العون والرحمة، لا أن يقنط من ذلك ويهلك نفسه بيده عن طريق الانتحار، وقد حرم الإسلام أن يهلك الإنسان نفسه من أجل حفظ النفس الإنسانية، قال الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [7]، وقال ﷺ : [من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا] [8]  

  • سد الذرائع المؤدية إلى القتل:

يعتبر حفظ الضروريات الخمس في الإسلام مقصد من مقاصد الشريعة ومنها تحريم أن يلقي الإنسان بنفسه إلى الهلاك، قال الله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[9].

  • تحريم العدوان على النفس:

الحياة نعمة وهبها الله تعالى لخلقه لذلك حرم الاعتداء عليها بغير حق قال تعالى: { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}[10]، وقال رسول الله ﷺ: [ كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله] [11].

  • القصاص في النفس والأعضاء: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}[12].   
  • أوجب غسل المسلم وتكفينه والصلاة عليه ودفنه:
[من غسّل مسلما فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه أجرى عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفّنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة] [13]  

ثالثاً: حفظ العقـــــــــل:

العقل هو مناط التكليف ومحل التميز والتكريم، والاسلام يقدر نعمة العقل والإدراك وأثرها في حياة الإنسان ولذلك حرّم الشرع الإسلامي كل ما يفسد عقل الإنسان أو يعطله كالسحر والمسكرات، وتم تحريم الخمر؛ لأنها تؤدي إلى ذهاب العقل، و إضعاف ملكات الإنسان الفكرية، وتخل بالإدراك والتمييز.

رابعاً: حفظ العرض والنسل:

حفظ العرض والنسل من مقاصد الشريعة وتدور حول حفظ النسب والنسل والفرج، وحفظ النسل من الركائز الأساسية في الحياة ومن أسباب عمارة الأرض وفيه تكمن قوة الأمم وبه تكون مرهوبة الجانب عزيزة القدر تحمي دينها ونفوسها وتصون أعراضها وأموالها.

ولذلك شرع الإسلام الزواج، وحرّم الزنا وقذف المحصنات، صونًا للأنساب، وحمايةً للأسرة، باعتبارها النواة الأولى في بناء المجتمع. ومن مقاصد الزواج وغاياته النسل والذرية وبه بقاء الجنس البشري، والأسرة هي أساس كِيان المجتمع، وتؤثِّر في صلاح المجتمع أو فساده؛ لذلك فقد اهتمَّ الإسلام بالأسرة وتكوينها أشدَّ اهتمام، ومن معالم ذلك الاهتمام:

الـــــــــــــــــــزواج:  هو السبيل الوحيد في الإسلام لتكوين الأسرة، وبه يتحقق السكن النفسي والحسي والجنسي والعاطفي، هذا السكن الذي لا يتحقق أبداً في العلاقات المحرمة الممزوجة دائماً بالخوف والقلق وسوء العاقبة، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[14]، وقد رغَّب الإسلام في الزواج؛ فقال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}[15]، وقد حث رسول الله ﷺ على النكاح والترغيب فيه فقال: [يا معشرَ الشباب، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر وأحصَنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء] [16]؛ وقال ﷺ: [تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم] [17]؛ وقد شرع الإسلام للزواج إجراءات معينة؛ تشريفا وتكريما لهذه العبادة مثل:

الخِطبــــــــــــــة: وهي طلب المرأة للزواج من وليها الشرعي، وغرضها أن يتعرف الخاطب على مخطوبته، حتى إذا أقدما على الزواج يكون ذلك عن ألْفة، ووضع الإسلام معايير للخطبة، فجعل الدين هو المعيار الجديد للزوجة الصالحة؛ قال r: [تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفرْ بذات الدين تربت يداك] [18].

الصَّــــــــــــداق: وهو مال يقدمه الزوج لزوجته بما استحل من فرجها، وهو ملك خاص للمرأة دون وليها.

وجوب الإشهار: لحماية الأنساب، ولكي لا يُسيء المسلمون الظنَّ بعضهم ببعض.

حكم التعدد في الإسلام : قال الله تعالى في كتابه العزيز : {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا}[19]، فقد أفادت الآية الكريمة إباحة التعدد، فللرجل في شريعة الإسلام أن يتزوج واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً في وقت واحد، ولا يجوز له الزيادة على الأربع، وبهذا قال المفسرون والفقهاء.

  • وللتعدد شروط :أولها العــــــدل لقوله تعالى: “فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً“، حيث أفادت الآية الكريمة أن العدل شرط لإباحة التعدد، فإذا خاف الرجل من عدم العدل بين زوجاته إذا تزوج أكثر من واحدة، كان محظوراً عليه الزواج بأكثر من واحدة. والمقصود بالعدل هو التسوية بين زوجاته في النفقة والكسوة والمبيت ونحو ذلك من الأمور المادية مما يكون في مقدوره واستطاعته. وذكر العلماء أسباب كثيرة لحكمة التعدد نذكر منها:
  • التعدد سبب لتكثير الأمة، ومعلوم أنه لا تحصل الكثرة إلا بالزواج. وما يحصل من كثرة النسل من جراء تعدد الزوجات أكثر مما يحصل بزوجة واحدة.
  • قد تكون الزوجة عقيمة أو لا تفي بحاجة الزوج أو لا يمكن معاشرتها لمرضها، والزوج يتطلع إلى الذرية وهو تطلع مشروع، ويريد ممارسة الحياة الزوجية الجنسية وهو شيء مباح، ولا سبيل إلا بالزواج بأخرى، فمن العدل والإنصاف والخير للزوجة نفسها أن ترضى بالبقاء زوجة ، وأن يسمح للرجل بالزواج بأخرى .
  • الرجال عرضة للحوادث التي قد تودي بحياتهم ، لأنهم يعملون في المهن الشاقة، وهم جنود المعارك، فاحتمال الوفاة في صفوفهم أكثر منه في صفوف النساء، وهذا من أسباب ارتفاع معدل العنوسة في صفوف النساء، والحل الوحيد للقضاء على هذه المشكلة هو التعدد.

إباحة زواج المسلم بغير المسلمة الكتابية: يترتب على ذلك علاقات جديدة بين المسلمين وغيرهم تحتمها علاقات القربي والمصاهرة والتى يتحتم صلتها وجوبا. ولايخفى ما في زواج المسلم بغير المسلمة من فوائد دعوية تعود بثمار جمة في التربية والخلق، وامتزاج الأمم.

حقوق الزوج والزوجة: يترتب على الزواجِ حقوق منها، وجوب النفقة على الزوج، ووجوب الطاعة على الزوجة، وأن يعامل كل منهما الآخر بالمعروف؛ قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[20].

الطــــــــــــــلاق: وهو مفارقة الرجل للمرأة، ويحق له ذلك، غير أنه في الأصل غير مرغوب فيه، ولكن في بعض الأحيان قد يكون بمنزلة العلاج، عند استحالة العشرة بين الزوجين، ولكي لا يتسرع المسلم في إيقاع الطلاق، وَضع النظامُ الإسلامي له مراحل وآدابًا، منها:

  • التشكيك في حقيقة شعور الرجل تُجاه المرأة؛ قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا }[21].
  • مُحاولة تقويم المرأة؛ قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}[22].
  • التحاكم إلى ذوي العقول والخبرة؛ قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}[23]
  • وجوب الطلاق في الطُّهر الذي لم يُجامعها فيه: ومن الأدلة على تحريم الطلاق في الحيض، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه طلق امرأته وهي حائض  فسأل عمر النبي ﷺ عن ذلك فقال له: مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء [24].
  • جعل له ثلاثَ طلقات حتى يراجعها إذا ندم، وأيضًا جعل الطلاق في يد الرجل، فهو أقل عاطفة وأكثر حكمة من المرأة.

ثم تكون الثمرة من هذا الزواج، الصغار، وقد جعل لهم الإسلام حقوقًا على الأبوين؛ من مثل:

حقوق الابناء على الاباء: یعتبر الأبناء ثمرة العلاقة الزوجیة و زینة الحیاة الدنيا، و بھم تكثر الأمة الاسلامية، التي یتباھى بعدد أفرادھا رسول الله یوم القیامة، و إذا أحسن الوالدان تربیة الأبناء كانوا لھما ذخراً يوم القيامة، وعلى الاب أن أن يختار لابنائة الأم الصالحة، وأن یولم للمولود بعقیقة، و یختن الولد في سابع یوم من ولادته، ويجب على الأم إرضاع أطفالها، كما تجب النَّفقة على الأب والتكفل بحاجیات الاسرة المتعلقة بالمأكل و المشرب، وعلى الاباء تعلیم الابناء شرائع الدین المتعلقة بالعبادات كالطھارة و الصلاة والصیام وحفظ القران الكریم، وتعلیمهم الآداب الاسلامية السلیمة.

حقوق الاباء على الابناء: جعل الإسلام حقوقًا للأبوين على الأولاد؛ فهما سببُ الحياة لهم، فمن الوفاء لهما القيام بحقهما؛ مثل: وجوب الإحسان لهما، والرِّفق بهما، ولين القول لهما؛ قال تعالى:{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا }[25].

الميـــــــــــــــراث:  يقوم نظام الميراث في الإسلام على أصلٍ من الفطرة، فإذا علم الإنسان أن ماله سيذهب إلى غيره بعد موته، فلن يسعى إلاَّ إلى تحصل ما يكفيه في حياته، أما إذا علم أنه سيذهب لأولاده الذين هم بضعة منه، فإنه يكون مسرورًا بذلك. وقد قام نظام المواريث على أساس العدل، وأن الغنم  بالغرم، ولم يرض الله بتقسيم أحد له؛ بل قسمه تعالي: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ… }[26]، وقال رسول الله: “إن الله قد أعطى كل ذي حق حقَّه، فلا وصية لوارث[27].

خامساً: حفظ المال:

المال به قوام الحياة ويعين على أداء الواجبات والطاعات، ولأهمية المال في حياة الناس شرع الإسلام تشريعات تبيح كسبه بالطرق الحلال، وأخرى تمنع تبذيره وإتلافه،

كما حرم الله تعالى أكل أموال الناس بالباطل كالسرقة والتطفيف والغصب، والمال لازم لتوفير متطلبات الشخص الخاصة به وبأسرته، وكذلك حاجة الأمة العامة واستغنائها عن أعدائها والدفاع عن دين الله، ومقصود المال هو قيام مصالح الدين والدنيا وليس المفاخرة به وكنزه وحصول المباهاة، ويتحقق حفظ المال من جانبين:

الأول: من جانب الوجود، وذلك بالحث على الكسب والعمل في سائر أصناف المداخل المباحة.

الثاني: من جانب العدم وذلك بالمحافظة على المال بعد الحصول عليه بدرء الفساد الواقع عليه أو المتوقع بتحريم الاعتداء على المال وتحريم إضاعته وتبذيره وتحريم الربا والرشوة وإقامة حد السارق والمحارب والتعزير وضمان  المتلفات وتوثيق الديون والإشهاد عليها وتعريف اللقطة وحفظ الودائع وأداء الأمانات وغير ذلك.

🔹 خاتمة المقال:

يمثل حفظ الضروريات الخمس في الإسلام حجر الأساس في بناء النظام الاجتماعي الإسلامي، ويعكس بجلاء عمق الرؤية الإنسانية التي جاءت بها الرسالة الخاتمة. فبصيانة النفس، والعقل، والنسل، والمال، والعرض يتحقق الأمن والاستقرار، وتقوم المجتمعات على العدل والرحمة، ويُصان الإنسان في كرامته وحقوقه. ومن هنا تتجلى عظمة التشريع الإسلامي بوصفه مشروعًا حضاريًا متكاملًا، صالحًا لكل زمان ومكان.

وقد عانت البشرية عبر تاريخها من آثار مدمرة نتيجة تضييع هذه الضرورات، فاختل ميزان القيم، وانهارت منظومات أخلاقية واجتماعية واقتصادية، رغم ما بذله كثير من مفكري العالم ودعاة الإصلاح من جهود حثيثة للحد من هذه الأضرار. إلا أن تلك المحاولات، على كثرتها، لم تهتدِ إلى الطريق الوحيد القادر على تحقيق التوازن المنشود، وهو باب الإسلام، الذي أولى عناية فريدة بحفظ هذه الضرورات، عناية لا نظير لها، وليس ذلك بغريب؛ إذ هو تشريع صادر عن الله العليم بما يصلح عباده ويضمن سعادتهم وفلاحهم.

وخلاصة القول، فإن النظام الاجتماعي في الإسلام منهج رباني تعبدي متكامل ومتوازن وشامل وميسر، جاءت أحكامه لتنظيم أدق تفاصيل الحياة الأسرية والاجتماعية، في حالاتها العادية والطارئة على السواء.

فهو نظام تعبدي، تُؤدى فيه الأعمال الصالحة ابتغاء وجه الله تعالى، كما قال سبحانه: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}[28]، فالحياة بكل أنشطتها وأنظمتها متجهة إلى الله، وكل عمل من أعمال البر والصلة والخير عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه.

وهو نظام متوازن، تتكامل فيه حقوق المرأة والرجل، وحقوق الفرد والجماعة، وحقوق المجتمعات فيما بينها، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[29]، كما يحقق التوازن بين متطلبات الإنسان العاطفية والعقلية، وميوله الجسدية والروحية، دون إفراط أو تفريط.

وهو كذلك نظام أخلاقي متكامل، جاء بما يحفظ المصالح ويدرأ المفاسد، حيث تتلاحم فيه قوة التشريع مع قوة التنفيذ، وتلتقي فيه سعادة الدنيا مع سعادة الآخرة. فشرع من الآداب الاجتماعية ما يحفظ للأسرة عفتها وكرامتها، ويقويها على أداء رسالتها، ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريم كل ما يهدم الدين، أو يهلك النفس، أو يفسد العقل، أو يضيع النسل، أو يهدر الشرف، أو يتلف المال.


المراجع:

[1] (رواه البخاري (3/195) ومسلم (1/92) من حديث أبى هريرة)

[2] (البخاري (1/10) ومسلم (3/1333) حديث عبادة بن الصامت

[3] (رواه البخاري (8/38) ومسلم (3/1302). من حديث عبد الله بن مسعود)

[4] (رواه البخاري (8/13) ومسلم (1/76). من حديث أبو هريرة)

[5] (نص الغزالي ت (505) في كتابه المستصفى وشفاء العليل ج 1 ص 284  بأن مقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو: أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة.” وقد تبع جمهور الأصوليين الغزالي في حصر تلك المقاصد في الخمسة المذكورة، واعترض بعضهم على ذلك الحصر، وزاد عليها مقاصد أخرى. وقد أثيرت في القديم والحديث إشكالات حول تلك المقاصد الخمسة، سواء من حيث عددها، أو من حيث ترتيبها وعدّها بعض المعاصرين بأنها المقاصد العامة للشريعة الإسلامية).

[6] (صحيح البخاري (1/37) الآية في سورة محمد (19) – [7] (سورة النساء آية: 29)

[8] (صحيح البخاري – حديث رقم 5442 عن ابي هريرة) – [9] (سورة البقرة آية: 195)

[10] (سورة النساء آية: 93) – [11] (رواه مسلم (4/1986) من حديث أبي هريرة)

[12] (سورة البقرة – آية: 179)

[13] (رواه الطبراني في الكبير (1/رقم929) والحاكم في المستدرك (1/505 و516) والبيهقي في الكبرى (3/395)

[14] (الروم: 21) – [15] (النور: 33) – [16] (متفق عليه) – [17] (أخرجه الطبراني في الكبير وصححه الألباني)

[18] (متفق عليه) – [19] (النور: 33) – [20] (النساء: 3) – [21] (النساء: 20)

[22] (النساء: 35) – [23] (النساء: 36)

[24] (أخرجه البخاري في صحيحه 3/458، 480، ومسلم في صحيحه 4/180 وأبو داود في سننه رقم 1279 ورقم 2180، والنسائي 2/94 والدارقطني 4/6.)

[25] (الإسراء: 24) – [26] (النساء: 11)

[27] (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه- والحق هنا بمعنى الحظ والنصيب).

[28] (الإنسان: 9) – [29] (الحجرات: 14)

للحصول على مزيد من المعلومات برجاء متابعى على المنصات التالية:

الفيسبوكhttps://www.facebook.com/profile.php?id=100088893776257

اليوتيوب: https://www.youtube.com/@ashrafrashad8031

التيك توك:https://www.tiktok.com/@ashraf.r1

الانستاجرام:https://www.instagram.com/ashraf.rashad.58/

م. أشرف رشاد

هنا يمكنكم الاطلاع على فنــــــــــــون العمارة المختلفة ولان العمارة هي ام الفنون فسنلقي الضوء على المبادئ الأساسية للهندسة المعمارية مثل: تاريـــــــــــــــــخ وطرز العمارة عبر العصور المختلفة، وأهم النظريات والمدارس المعمارية، وكذلك التصميم المعماري عبر تحليل الأفكار المعمارية للمشاريع المختلفة، وأعمال الديكورات الداخلية والتشطيبات، نسأل الله أن ينفع بهذا العمل ويكون خالصاً لوجهه الكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى