أبو بكر خيرت

أبو بكر خيرت: مهندس النغم وباني الصروح الثقافية

مقدمة

قليلة هي الشخصيات التي تستطيع ترك بصمة خالدة في مجالين مختلفين تماماً، لكن أبو بكر خيرت فعل ذلك ببراعة منقطعة النظير. كان “مهندساً للمباني” بقدر ما كان “مهندساً للألحان”. لم يكن مجرد معماري صمم مباني الأسمنت والحديد، بل كان فناناً شاملاً آمن بأن العمارة هي “موسيقى مجمدة”، وأن الفراغ المعماري يجب أن يخدم الروح الإنسانية، فغدت تصميماته شواهد على عصر ذهبي من الرقي والتحضر في تاريخ مصر.

السيرة الذاتية: النشأة والموهبة الفذة

وُلد أبو بكر خيرت في 27 أبريل 1910 بالقاهرة، ونشأ في بيئة أرستقراطية محبة للفنون؛ فوالده كان محامياً هاوياً للموسيقى، وخاله هو الموسيقار الشهير “محمود حفني”.

المسيرة المعمارية: رائد “العمارة التعليمية”

تميزت مسيرة أبو بكر خيرت المعمارية بالتركيز على المنشآت ذات الطابع الثقافي والتعليمي. كان يؤمن بالبساطة والوظيفية مع الحفاظ على الهوية الوطنية. تولى خيرت منصب عميد المعهد العالي للموسيقى العربية، كما كان أول رئيس لجمعية المؤلفين والملحنين. في عمارته، كان يميل إلى الطراز الحديث (Modernism) الذي يجمع بين الفخامة والعملية، مع اهتمام فائق بـ “صوتيات” المكان (Acoustics)، نظراً لخلفيته الموسيقية.

أهم المشاريع المعمارية

ترك أبو بكر خيرت إرثاً معمارياً يتسم بالخلود، ومن أبرز مشاريعه المعمارية للمباني العامة ما يلي:

1. أكاديمية الفنون حالياً (مدينة الفنون لوزارة الثقافة والإرشاد القومي)

يعتبر تصميم مدينة الفنون بالهرم من أعظم أعماله، حيث وضع المخطط العام لهذه المؤسسة الضخمة عام 1959 والتي تضم:

2. معهد الكونسرفتوار

صمم مبنى المعهد العالي للموسيقى (الكونسرفتوار) في القاهرة، وكان هو أول عميد له. ركز في تصميمه على توزيع الصوت والعزل الصوتي، ليصبح المبنى نموذجاً يحتذى به في القاعات الموسيقية.

3. قاعة سيد درويش (صالة الاستماع)

تُعد من أرقى القاعات الموسيقية في الشرق الأوسط، وقد صممها خيرت لتكون مجهزة لاستقبال الأوركسترا السيمفوني، مع مراعاة أدق التفاصيل الهندسية لتحقيق التوازن الصوتي الأمثل.

4. مبنى شركة موبيل أويل – كورنيش النيل بجاردن سيتي، 1958

5. بنك التنمية الصناعية والعمال المصري بوسط البلد.

6. المعمل المركزي للرقابة على المستحضرات الحيوية البيطرية بالعباسية

4. مستشفيات:

الربط بين العمارة والموسيقى

لم يكن خيرت يفصل بين المسطرة والكمان؛ فكان يقول إن هندسة البناء تشبه إلى حد كبير هندسة التأليف السيمفوني، فكلاهما يحتاج إلى “هارموني” (تناغم)، وإيقاع، وتوازن بين الأجزاء والكل. هذا التزاوج جعل مبانيه تنطق بروح فنية فريدة، وتأليفه الموسيقي يتسم بالدقة الهندسية.

خاتمة

رحل أبو بكر خيرت في 25 أكتوبر 1963، تاركاً خلفه ثروة لا تقدر بثمن؛ فبينما تُعزف سيمفونياته في كبرى قاعات العالم، تظل مبانيه صامدة تؤوي آلاف المبدعين والفنانين في مصر. إن سيرة أبو بكر خيرت هي قصة ملهمة عن “المثقف الشامل” الذي طوع الهندسة لخدمة الفن، وجعل من الفن وسيلة لبناء الوطن.

Exit mobile version