أسس تصميم المستشفيات: منهجية معمارية متكاملة لتحقيق الكفاءة العلاجية والإنسانية
مقدمة
يُعد تصميم المستشفيات من أكثر التخصصات تعقيدًا في العمارة المعاصرة، نظرًا لتداخله بين المتطلبات الوظيفية الصارمة، والاعتبارات التقنية عالية الحساسية، والاحتياجات النفسية والاجتماعية للمستخدمين. فالمستشفى ليس مجرد مبنى خدمي، بل منظومة متكاملة تعمل على مدار الساعة، وتستوعب حالات طارئة، وإجراءات جراحية دقيقة، ورعاية طويلة الأمد، وبنية تحتية تقنية معقدة.
وقد شهدت فلسفة تصميم المستشفيات تطورًا ملحوظًا منذ النماذج التقليدية في القرن التاسع عشر، وصولًا إلى مفاهيم “الشفاء عبر التصميم” (Healing Architecture) التي تعتمد على دمج الضوء الطبيعي، الطبيعة، والفراغات الإنسانية الداعمة للتعافي. ويستند التخطيط الحديث إلى أدلة علمية ومعايير دولية صادرة عن جهات متخصصة مثل Facility Guidelines Institute، التي تُصدر إرشادات تصميم منشآت الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، وكذلك معايير World Health Organization المتعلقة بالبنية الصحية الآمنة.
تهدف هذه الدراسة إلى عرض الأسس الأكاديمية والمعايير التخطيطية لتصميم المستشفيات، مع الإشارة إلى نماذج عالمية يمكن الرجوع إليها كمراجع تصميمية.
أولاً: اختيار الموقع والتخطيط العام (Site Planning & Master Planning)
1. معايير اختيار الموقع
- البعد عن مصادر التلوث البيئي والضوضاء.
- سهولة الوصول عبر الطرق الرئيسية ووسائل النقل.
- إمكانية التوسع المستقبلي.
- توافر البنية التحتية (مياه – كهرباء – صرف صحي – اتصالات).
2. التخطيط العام (Master Plan)
يُراعى في التخطيط:
- فصل المداخل (الطوارئ – الزوار – الخدمات – الموظفين).
- وضوح الحركة (Wayfinding).
- توزيع الكتل وفق العلاقات الوظيفية (Functional Adjacency).
ومن النماذج المرجعية:
- Khoo Teck Puat Hospital
https://www.ktph.com.sg
يتميز بتكامل الطبيعة مع الكتل المعمارية، واعتماد مخطط مرن يحقق الترابط بين الأقسام. - New Karolinska Solna
https://www.nks.se
يعتمد على تخطيط معياري يسمح بإعادة توزيع الأقسام بسهولة.
ثانياً: العلاقات الوظيفية وتوزيع الأقسام
تعتمد المستشفيات الحديثة على تحليل “العلاقات الوظيفية” (Functional Relationship Diagrams)، حيث يتم تحديد القرب أو البعد بين الأقسام وفق طبيعة العمل.
أهم الاعتبارات:
- قرب الطوارئ من الأشعة والمختبر.
- قرب العمليات من العناية المركزة.
- فصل العيادات الخارجية عن مناطق التنويم.
- عزل الحركة النظيفة (Clean Circulation) عن الملوثة (Dirty Circulation).
مرجع تخطيطي مهم:
- NHS – Health Building Notes
https://www.england.nhs.uk/estates/health-building-notes/
يحتوي على مخططات معيارية وعلاقات وظيفية تفصيلية.
ثالثاً: الفراغات الداخلية وكفاءة الحركة
1. محطات التمريض
- رؤية مباشرة لغرف المرضى.
- تقليل المسافات المقطوعة.
- تنظيم دائري أو شعاعي في بعض الأقسام.
2. غرف المرضى
- أولوية للغرف الفردية لتقليل العدوى.
- إضاءة طبيعية وإطلالة خارجية.
- مرونة لاستيعاب أجهزة إضافية.
3. الممرات
- عرض كافٍ لنقل الأسرة.
- تقليل الزوايا الميتة.
- وضوح الاتجاهات البصرية.
رابعاً: التهوية والإضاءة (Environmental Systems)
1. التهوية
- استخدام أنظمة HVAC عالية الكفاءة.
- ضغط إيجابي في غرف العمليات.
- ضغط سلبي في غرف العزل.
- مرشحات HEPA في المناطق الحرجة.
2. الإضاءة
- دمج الضوء الطبيعي قدر الإمكان.
- تجنب الوهج البصري.
- التحكم في الإضاءة وفق الإيقاع الحيوي (Circadian Lighting).
مثال تطبيقي:
- Maggie’s Centre
https://www.maggies.org
نموذج يُظهر تأثير الضوء الطبيعي والمواد الدافئة على الحالة النفسية.
خامساً: التحكم في العدوى (Infection Control)
يُعد من أهم عناصر التصميم، خاصة بعد جائحة كوفيد-19.
مبادئ أساسية:
- استخدام مواد غير مسامية وسهلة التعقيم.
- تقليل المفاصل والزوايا الحادة.
- فصل دوائر الحركة.
- تصميم غرف عزل بمعايير ضغط محددة.
- توفير مغاسل عند مداخل الغرف.
إرشادات مرجعية:
- Centers for Disease Control and Prevention
https://www.cdc.gov/infectioncontrol
سادساً: البنية التحتية والخدمات الطبية
- أنظمة إنذار وحريق متقدمة.
- أنظمة غازات طبية.
- أنظمة نقل عينات (Pneumatic Tube Systems).
- مسارات صيانة منفصلة.
- أرضيات تقنية (Raised Floors) لمرونة التمديدات.
سابعاً: البعد الإنساني وتجربة المريض
أثبتت الدراسات أن البيئة المعمارية تؤثر على مدة الإقامة بالمستشفى.
عناصر إنسانية مهمة:
- ألوان مريحة.
- مواد طبيعية.
- حدائق علاجية.
- مساحات انتظار رحبة.
- وضوح مسارات الحركة.
نموذج ملهم:
- Cleveland Clinic
https://my.clevelandclinic.org
يعتمد على تصميم متمحور حول تجربة المريض.
ثامناً: المرونة والاستدامة
المستشفيات يجب أن تُصمم لتدوم لعقود.
متطلبات:
- إمكانية التوسع الرأسي أو الأفقي.
- تصميم معياري.
- كفاءة طاقة.
- أنظمة ذكية لإدارة المبنى (BMS).
خاتمة
إن تصميم المستشفيات عملية متعددة الأبعاد، تتجاوز الجوانب الجمالية إلى منظومة متكاملة تدمج التخطيط العمراني، والهندسة الطبية، والتقنيات البيئية، وعلم النفس البيئي. فالمستشفى الناجح ليس الذي يبدو متطورًا فحسب، بل الذي يحقق:
- سلامة صحية عالية
- كفاءة تشغيلية
- تجربة إنسانية داعمة للشفاء
- مرونة مستقبلية
وعليه، فإن الالتزام بالمعايير الدولية، والاستفادة من النماذج العالمية، وتحليل العلاقات الوظيفية بدقة، يشكّل الأساس العلمي لتصميم منشأة صحية قادرة على تقديم رعاية آمنة وفعّالة ومستدامة.