ابن النفيس

ابن النفيس: مكتشف الدورة الدموية الصغرى

يُعدّ العلّامة علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي الدمشقي، المعروف بابن النفيس (1213–1288م)، أحد أبرز أطباء الحضارة الإسلامية وأكثرهم تأثيرًا في تاريخ الطب العالمي. ورائد المنهج الطبي العلمي في الحضارة الإسلامية، فقد استطاع عبر منهجه النقدي، وملاحظاته التشريحية الدقيقة، أن يُحدث ثورة غير مسبوقة في المعرفة الطبية، بتدوينه أول وصف صحيح للدورة الدموية الصغرى. ويستعرض هذا المقال الجوانب الأكاديمية المتعلقة بحياة ابن النفيس، وتأثير أساتذته عليه، ومن تأثروا به لاحقًا، إضافة إلى منهجه العلمي وإسهاماته الطبية، وشهادات العلماء الغربيين باعترافهم بفضله.

أولًا: أساتذة ابن النفيس وتأثيرهم العلمي

تتلمذ ابن النفيس في دمشق على يد نخبة من العلماء، أبرزهم:

1) موفق الدين عبد الرحيم، المعروف بابن الدخوار

كان من أهم علماء الطب في الشام، وقد تتلمذ عليه ابن النفيس في البيمارستان النوري. اتسم ابن الدخوار بالجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي، وهو ما أثر بوضوح في منهج ابن النفيس التجريبي.

2) الإمام فخر الدين الرازي

لم يتعلم ابن النفيس الطب على يد الرازي مباشرة، لكنه تأثر بمنهجه العقلي والتحليلي في الفلسفة والكلام. وقد كان لمنهج الرازي النقدي دور محوري في تشكيل العقلية الفاحصة لابن النفيس، خصوصًا في رفضه آراء جالينوس المخالفة للتشريح.

3) أساتذته في الفقه واللغة

درس النحو والفقه الشافعي، مما أكسبه قدرة لغوية ومنهجية واضحة ظهرت في مؤلفاته الطبية الدقيقة.

ثانيًا: العلماء الذين تأثروا بابن النفيس بعده

امتدت آثار اكتشافاته لقرون، ومن أبرز من تأثروا به:

1) أندرياس فيزيليوس (Vesalius)

رائد التشريح الأوروبي في القرن السادس عشر، وقد تضمن بعض شرحه للقلب إشارات تتوافق مع تصحيحات ابن النفيس لجالينوس، رغم عدم اعترافه به مباشرة. ويرجّح مؤرخو الطب أن بعض مخطوطات العرب وصلت إلى أوروبا قبيل عصر النهضة.

2) ميغيل سيرفيت (Michael Servetus)

العالم الإسباني الذي وصف الدورة الدموية الرئوية بعد ابن النفيس بثلاثة قرون، وتطابقت وصفاته إلى حد كبير مع ما جاء في كتاب “شرح تشريح القانون”.

3) وليام هارفي (William Harvey)

رائد اكتشاف الدورة الدموية الكبرى. يُعتقد أن هارفي استفاد بصورة غير مباشرة من المدرسة الطبية العربية التي مهد لها ابن النفيس.

ثالثًا: منهج ابن النفيس العلمي

امتاز منهجه بعدة خصائص بارزة:

1) النقد العلمي للمرجعيات السابقة

رفض ابن النفيس التسليم بما قاله جالينوس أو ابن سينا دون تحقق، وقال عبارته الشهيرة:
“إذا وجدنا كلامًا للسابقين يخالف ما دلت عليه التجربة، وجب تركه.”

2) الاعتماد على التشريح العملي

كان من أوائل من أكدوا ضرورة تشريح القلب والرئتين لفهم الوظائف الحيوية، وهذا ما قاده لاكتشاف الدورة الدموية الصغرى.

3) منهج الاستنتاج المنطقي

اعتمد على التحليل العقلي وربط الظواهر الطبية، مما جعله يبرهن على وجود الحاجز الصلب بين بطني القلب خلافًا لجالينوس، وهو أساس اكتشافه للدورة الرئوية.

رابعًا: إسهامات ابن النفيس في الطب ومؤلفاته

1) اكتشاف الدورة الدموية الصغرى

وصفها بدقة في كتابه “شرح تشريح القانون”، موضحًا:

2) مؤلفاته الطبية

من أبرز كتبه:

خامسًا: الأحوال السياسية في عصر ابن النفيس

عاش ابن النفيس في فترة مليئة بالتحولات السياسية:

1) سقوط الخلافة العباسية (1258م)

شهد ابن النفيس الغزو المغولي لبغداد، وما أعقبه من تدهور سياسي لكنه استمر في الكتابة في القاهرة.

2) حكم الدولة الأيوبية ثم المماليك

انتقل إلى مصر خلال حكم الأيوبيين، ثم أصبح رئيسًا للأطباء في عهد السلطان الظاهر بيبرس.
اتسم هذا العصر بالتنافس العسكري والحاجة لأطباء مهرة في البيمارستانات.

سادسًا: اعتراف الغرب بفضل ابن النفيس

اعترف مؤرخو الطب الغربيون بفضل ابن النفيس، ومن أبرزهم:

1) مايرهوف (Meyerhof)

أعلن أن اكتشاف ابن النفيس للدورة الدموية الصغرى سبق أوروبا بثلاثة قرون، وقال:
“إن وصف ابن النفيس للدورة الرئوية من أدق ما وصل إليه الطب في العصور الوسطى.”

2) إدوارد كوبلر (Edward Coppola)

أكد في أبحاثه أن اكتشاف سيرفيت وفيزيليوس للدورة لم يكن ليحدث دون الأساس الذي وضعه ابن النفيس.

3) مجمع الدراسات الطبية بباريس

أدرج اسمه ضمن رواد علم وظائف الأعضاء، واعتبره “أبا الفسيولوجيا الحديثة”.

الخاتمة

يعدّ ابن النفيس واحدًا من أعظم العلماء الذين أنجبتهم الحضارة الإسلامية، فقد جمع بين المنهج النقدي، والتجربة العملية، والقدرة على التحليل والاستنباط، مما أهّله لاكتشاف الدورة الدموية الصغرى، وإحداث تحول جذري في علم التشريح ووظائف الأعضاء. كما ترك تراثًا طبيًا هائلًا أثر في علماء الشرق والغرب على حد سواء، مما يجعل دراسة إنجازاته ضرورة لكل باحث في تاريخ العلوم الطبية.

Exit mobile version