التشريع الإسلامي في العهد المدني
يمثل العهد المدني مرحلة محورية في تاريخ التشريع الإسلامي؛ ففيه انتقل الإسلام من تأسيس العقيدة في مكة إلى مرحلة بناء الدولة وتنظيم المجتمع في المدينة المنورة. ومع الهجرة بدأت تتنزل الأحكام العملية التي تُنظم حياة الفرد والجماعة: عبادات، معاملات، أحوال شخصية، حدود وجنايات، وعلاقات داخلية وخارجية. ويكشف تتبع التشريع في هذه المرحلة عن منهجية محكمة تجمع بين التدرج، والواقعية، وتحقيق المصالح، ودفع المفاسد، بما يكفل بناء أمة قوية متماسكة، تقيم العدل وتحفظ الحقوق وتُعلي من كرامة الإنسان.
التعريف بالفقــــــــه الاسلامي[1]:
الفقه لغة: هو فهم غرض المتكلم من كلامه، كقوله تعالى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ} [2]
وفي الاصطلاح: هو العلم بالاحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية[3]، وهو علم مستنبط بالرأي والاجتهاد، ويحتاج فيه إلى النظر والتأمل، ويعتمد على مصادر التشريع: القرأن، والسنة، والاجماع، والقياس. والفقه: هو معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين، بالوجوب والحظر والندب والكراهه والإباحة، وهي متلقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الادلة”[4].
الفقه والتشريع الإسلامي:
في صدر الإسلام كان مدلول كلمة الفقه في صدر الإسلام يطابق معنى الشرع والدين، وفهم الأحكام التي جاءت في القرآن والسنة، سواء ما يتعلق منها بالاعتقاد أم بالعبادة أم بالأخلاق أم المعاملات. فلم يكن ثمة فرق بين مفهوم كلمة الفقه والشرع والدين. وهذا المعنى العام للفقه كما في قول النبي ﷺ [من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين]، ويطلق الباحثين كلمة: الشريعة الاسلامية، على الفقه الاسلامي، مع أن (الشريعة) أعم وأكثر شمولاً من (الفقه)
- شكّلت هجرة النبي ﷺ منعطفًا محوريًا في مسار الدعوة الإسلامية وفي تطور الفقه الإسلامي؛ إذ أصبحت المدينة المنورة بيئة جديدة مهيأة لبناء المجتمع الإسلامي وتنظيمه. فقد استقر الإيمان في قلوب المهاجرين، ووجدوا في المدينة نصرة الأنصار الذين تأثروا بالدعوة، وتحرر المسلمون بالهجرة من أذى المشركين واضطهادهم في مكة.
- ومع اختلاف طبيعة المجتمع المدني عن المجتمع المكي—الذي كان يقوم في أغلبه على ثنائية المؤمن والكافر—برزت في المدينة فئات جديدة كاليهود والمنافقين، مما استدعى انتقال التشريع من التركيز على أصول العقيدة إلى وضع تشريعات عملية تفصيلية تنظم شؤون الحياة اليومية.
- فبدأت الأحكام الفرعية المتعلقة بالعبادات في الظهور والتكامل؛ كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وبرزت معالمها واضحة في آيات القرآن المدني. كما تناولت الآيات تنظيم الأسرة؛ من الخطبة والزواج والمهر، إلى العشرة والرضاع والنفقة والإرث، بما يضمن تماسك البنية الاجتماعية.
- وتوسع التشريع ليشمل نظام العقوبات لضبط الجرائم وصون المجتمع؛ كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، والقذف، والحرابة، والردة. كما فصّل القرآن الكريم في المعاملات المالية، فبيّن حل البيع، وحرّم الربا، ونظم الرهن والدَّين والتوثيق، وأرسى قواعد التعامل الاقتصادي العادل.
- لم يقتصر التشريع المدني على الداخل فقط، بل شمل العلاقات الدولية وتنظيم الجهاد والمهادنات، وأحكام الغنائم والفيء، مما ساهم في بناء دولة قوية تستند إلى منهج شامل يوازن بين الروح والمادة، والحقوق والواجبات.
- ولم يكن التشريع المدني مجرد قوانين، بل مدرسة للأخلاق: الصدق، الأمانة، الحياء، العدل، الوفاء بالعهد، كظم الغيظ، والإحسان إلى الجار والفقير واليتيم. هذه القيم كانت روح التشريع ومحور بناء الإنسان.
أولًا: خصائص التشريع الإسلامي في العهد المدني:
- الانتقال من بناء الإيمان إلى تنزيل الأحكام العملية: فُصّلت العبادات والمعاملات والحدود بعد تأسيس التوحيد والأخلاق.
- التدرج في التشريع: مثل تحريم الخمر والربا على مراحل، ومراعاة ظروف المجتمع الناشئ.
- مقاصدية الأحكام: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وتقديم المصلحة العامة.
- إقامة هوية الأمة: بوثيقة المدينة، وتوحيد القبلة، وتنظيم العلاقات مع اليهود والمشركين.
- الربط بين العبادة والعمران: الصلاة والزكاة والصوم والحج لتزكية الفرد وبناء مجتمع متكافل.
ثانيًا: تشريعات العبادات:
- الصلاة: تأكيد فرضيتها وتنظيم أوقاتها وصلاة الجماعة والجمعة، والرخص في السفر والخوف.
- الزكاة: تحديد الأنصبة والمصارف الثمانية، لتكون نظامًا دائمًا للتكافل الاجتماعي ومحاربة الفاقة.
- الصوم: فرض صيام رمضان مع الرخص للمريض والمسافر، وتعظيم مقاصد التقوى والانضباط.
- الحج: إرساء شعائره وأحكامه، وتنظيم الهدي والنسك وآداب الحرم.
هذه العبادات لم تبقَ شعائر فردية، بل صارت مؤسسات اجتماعية تُربي الضمير وتُعالج الفقر وتوحد الأمة زمانًا ومكانًا.
ثالثًا: تشريعات المعاملات والاقتصاد:
- تحريم الربا والغرر: وبناء اقتصاد يقوم على التجارة الحلال وتبادل المنافع والشفافية في العقود.
- تنظيم العقود: البيع، الإجارة، السَّلَم، الشركة، الكفالة، الرهن، والضمان—مع توثيق الديون والعهود.
- حماية الملكية: رد المظالم، تحريم أكل أموال الناس بالباطل، وضبط طرق الكسب.
- التكافل المالي: الزكاة، الصدقات، الوقف، الفدية، وفك الرقاب—لتقليل الفجوات الاجتماعية.
التشريعات الاقتصادية: بنت منظومة مالية عادلة تمنع الاحتكار والاستغلال، وتوازن بين حرية السوق والعدالة الاجتماعية.
رابعًا: تشريعات الأسرة والأحوال الشخصية:
- الزواج: عقد ميثاق غليظ يقوم على المودة والرحمة، مع تنظيم المهر والحقوق المتبادلة.
- الطلاق: ضبطه بسنن وعدة وشهود ونفقات، ومنع الظلم والإضرار.
- النَّفقة والحضانة: حفظ حقوق الزوجة والأولاد.
- المواريث: نظام دقيق لتوزيع التركة، يُحقق العدالة ويمنع النزاع.
- مكانة المرأة: إقرار ذمتها المالية المستقلة، وحقها في الميراث، وصون كرامتها.
التوازن الأسري: تشريعات الأسرة في العهد المدني أقامت معادلة الحقوق والواجبات، ومنعت الاستبداد والتمييز.
خامسًا: الحدود والجنايات وحماية المجتمع:
- حفظ النفوس والأموال والأعراض: بتجريم القتل والسرقة والقذف والزنا، وإثبات الحقوق بالشهود والبينات.
- مقاصدية العقوبات: زجر ورادع لحماية المجتمع، مع ضوابط صارمة، وتقديم درء الحدود بالشبهات.
- القضاء: تأسيس مؤسسة القضاء العادل، وتولية القضاة ومنع المحاباة، والمساواة أمام القانون.
سادسًا: السياسة الشرعية والعلاقات الدولية:
- وثيقة المدينة (دستور المدينة): نظمت علاقة المسلمين باليهود وسائر سكان المدينة على أساس الحقوق والواجبات المشتركة، والدفاع المشترك، وحرية المعتقد.
- الجهاد والدفاع: تشريع القتال لرد العدوان ورفع الظلم وحماية حرية الدعوة، مع أخلاقيات الحرب: عدم الاعتداء، وصون المدنيين، وحفظ العهود.
- المعاهدات والصلح: إقرار السلم متى أُريد، والوفاء بالعهود، وإدارة الخلاف بالاتفاقيات والرسائل والبعثات.
- الهوية الجامعة: تحويل القبلة وترسيخ شعائر الإسلام أعطى الأمة استقلالًا سياسيًا ورمزيًا.
سابعًا: منهج التدرج والناسخ والمنسوخ:
اعتمد التشريع المدني التدرج في الانتقال بالمجتمع من الأعراف الجاهلية إلى شريعة العدل؛ من خلال الترقي في الحكم الشرعي من الأسهل إلى الأصعب، وظهرت أحكام الناسخ والمنسوخ لضبط المرحلة النهائية من التشريع، بما يراعي تغير الواقع وتمام المصلحة، فقد بعث ﷺ في قوم قد ألفوا بعض المفاسد، وأصبح من العسير انتزاعها منهم مرة واحدة؛ لما يترتب على ذلك من المشقة العظيمة والتنفير لهم من الامتثال، ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك تحريم الخمر،
التدرج في تحريم الخمر:
- بيان الحكمة والمفسدة: أول ما نزل من ذلك قول الله تعالى في الآية المكية: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} [5]، فالآية وردت في مقام امتنان الله سبحانه وتعالى على عباده، وفيها لفتة إلى قبح السكر، حيث قوبل السكر بالرزق الموصوف بالحسن، ويفهم من ذلك أن السكر ليس بحسن، فهذا لفت الأنظار إلى مافي السكر من قبح،
- ثم نزل في المدينة قوله سبحانه وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [6]، وهذه الآية فيها إرشاد إلى أن الحكم على الشيء باعتبار الجهة الغالبة من المصلحة أو المفسدة،
- ثم جاء بعد ذلك مرحلة التدرج عن شرب الخمر وقت الصلاة في قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [7]،
- الحسم بعد اكتمال التربية: ثم أخيراً جاء الحكم القاطع الأخير، وهو قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [8]، ولذلك لما نزلت هذه الآية على الصحابة قالوا:انتهينا انتهينا.
اتبع النبي ﷺ منهج التدرج في سنّ الأحكام، فبدأ بتشريع المواريث عام 3هـ، ثم استكملت أحكام النكاح والطلاق حتى 7هـ، وأُقِرَّت الحدود تدريجيًا حتى 8هـ.
أما تحريم الخمر فجاء على مراحل متعددة حتى صدر التحريم القطعي في 8هـ، وكذلك الربا لم يُحرّم دفعة واحدة، بل أُعلن تحريمه النهائي في 9هـ بعد تهيئة النظام الاقتصادي.
ويشبَّه هذا المنهج بعمل المهندس الذي يُعدّ الأرض ويُقيم الأساسات، ثم يرفع البناء لبنةً لبنة حتى يكتمل، وهي صورة بليغة لفقه التدرج والتخطيط التشريعي. [9]
ثامنًا: البناء المؤسسي والإداري:
- إدارة المدينة: توزيع المهام، كتابة العهود، تسجيل الديون (التوثيق)، وإرسال الولاة والعمال.
- بيت المال: تنظيم الموارد والمصارف، ورعاية الفئات الضعيفة.
- المراسلات والوفود: علاقات خارجية قائمة على الحكمة والمصلحة والبلاغ المبين.
تاسعًا: أمثلة توضح منهج الرسول ﷺ في بيان الأحكام الشرعية[10]:
لقد منح الله سبحانه وتعالى رسوله محمدًا ﷺ سلطة البيان والتشريع، كما قال تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[11] – وبذلك أصبحت الأحكام القرآنية وما صدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو إقرار في زمن النبوة جزءًا لا يتجزأ من التشريع الإسلامي، وأساسًا من أسس هذا الدين.
وقد اتبع النبي ﷺ منهجًا واضحًا في بيان الأحكام الشرعية، يمكن تلخيصه في وجهين رئيسيين:
أولًا: صدور الأحكام عند وقوع الحوادث أو عند سؤال الصحابة
التشريع يأتي استجابةً لواقعة معينة أو سؤال يطرحه الصحابة. وفي هذه الحالات، كان النبي ﷺ:
- إما يبيّن الحكم مباشرة إن كان قد تلقّاه من الله.
- أو ينتظر الوحي ليكون الحكم من عند الله تعالى.
- أو يجتهد في المسألة إذا لم ينزل فيها وحي، فيكون اجتهاده وبيانه تشريعًا.
1. أمثلة للأحكام التي نزلت بسبب وقوع حادثة:
أ- حكم المحاربين (حادثة العُرَنِيّين):
نزل قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[12]، بعدما قدم قوم من عُرينة المدينة، فمرضوا، فأمرهم النبي ﷺ أن يشربوا من ألبان الإبل وأبوالها، فلما صحّوا قتلوا الراعي وسرقوا الإبل وارتدّوا. فنزلت الآية بيانًا لعقوبة المحاربين وقطاع الطرق.
ب- تشريع المواريث (حادثة ورثة أوس بن ثابت):
توفّي أوس بن ثابت وخلّف زوجة وثلاث بنات، فاستولى أبناء عمّه على ماله، فاشتكت زوجته للنبي ﷺ.
فنزل قوله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} [13]، ثم نزلت آيات المواريث في سورة النساء، فبيّن النبي ﷺ قسمة التركة:
- الزوجة: الثمن
- البنات: الثلثان
- الباقي للعصبة
2. أمثلة لأحكام نزلت بعد سؤال الصحابة:
أ- سؤالهم عن الأهلة:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [14]، بيّنت الآية الحكمة من تغيّر شكل القمر، وهو تحديد مواقيت العبادات، خاصة مواقيت الصيام والحج والأشهر القمرية، وتوضيح أن هذه التغيرات ليست عبادة بحد ذاتها، بل هي نظام إلهي لضبط الزمن وتيسير شؤون المسلمين.
ب- سؤالهم عن الخمر والميسر:
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [15]، فجاء الجواب كما ذكرنا في التدرج في تحريم الخمر تمهيدًا لتحريمهما لاحقًا.
ج- سؤالهم عن المحيض:
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [16]، وفيها بيان أحكام معاشرة النساء زمن الحيض.
د- رجل يسأل عن الدفاع عن النفس:
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال: فلا تعطه مالك، قال:أرأيت إن قاتلني، قال: قاتله قال: أرأيت إن قتلني، قال:فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته، قال: هو في النار) [17]. وهذا بيان تشريعي في حقوق الدفاع عن النفس.
ثانيًا: تشريع أحكام من غير حادثة ولا سؤال:
هناك أحكام شرعية أنزلها الله سبحانه وتعالى ابتداءً دون أن يسبقها حادث أو سؤال، إمّا:
- لتهيئة المجتمع لأحكام جديدة،
- أو لحاجته إلى تشريع ينظم جانبًا من حياته،
- أو لتأسيس قواعد ثابتة للدين.
ومن أمثلتها:
- تشريع الصلاة بشكلها النهائي.
- فرض الزكاة وتحديد مصارفها.
- تشريع الصيام في سورة البقرة.
- تحريم الربا في آخر سورة البقرة.
- أحكام الأسرة والطلاق في البقرة والنساء.
- تنظيم العلاقات مع أهل الكتاب والمشركين.
- أحكام الجهاد والسلم في سورتي الأنفال والتوبة.
هذه الأحكام نزلت استباقيًا من الشارع الحكيم، لأن الوقت كان قد حان لتأسيس المجتمع المسلم على قواعد واضحة.
خلاصة منهج الرسول ﷺ في بيان الأحكام:
وضحت الأمثلة السابقة بعض خصائص التشريع الإسلامي في العهد المدني وأن النبي ﷺ اتبع منهجًا متكاملًا في التشريع، يقوم على:
- البيان عند الحاجة: نزول الوحي وفق الوقائع والأسئلة.
- التربية التشريعية التدريجية: مراعاة ظروف المجتمع.
- التعليم بالقول والفعل والإقرار: ليكون التطبيق واضحًا.
- إقامة أحكام تحقق مقاصد الشريعة: حفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسل.
وبهذا التكامل تحققت واقعية الشريعة وخلودها وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
المصادر:
[1] ) قسم الكثير من علماء الفقه الاسلامي أطوار الفقه إلى أربعة أقسام:
- طور النشأة: يبدأ من بعثة النبي إلى الوفاة، وهو عصر النص والشرح النبوي.
- طور الشباب: يبدأ بعصر الخلفاء الراشدين، إلى نهاية القرن الاول الهجري، وهو عصر نقل النص وضبطه والاجتهاد في أهم الوقائع الحادثة، فعندما توفي رسول الله ﷺ: «انتقلت السلطة التشريعية بعد وفاته إلى المجتهدين من الصحابة. من خلال فهم النص وبيان الحكم الذي يدل عليه، والثاني: قياس ما لا نص فيه على ما فيه نص بواسطة الاجتهاد وتخريج العلة، وقد روى أبو عبيدة في كتاب القضاء عن ميمون بن مهـران قال: «كان أبو بكـر الصديق إذا ورد عليه حكـم نظـر في كتـاب اللـه – تعالى – فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سُنة رسول الله ﷺ فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا أو بكذا، فإن لم يجد سنة سنَّها النبي ﷺ جمع رؤساء الناس فاستشارهم فإذا اجتمع رأيه على شيء قضى به، وكان عمر يفعل ذلك» رواه الدارمي في السنن في المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة، برقم 161، (1/90)، ومع اختصاصهم بالتشريع فإنهم كانوا يشيرون على الخليفة مثلما يشير عليه سائر الكبار من أهل الحل والعقد؛ وذلك فيما لا يدخل في الحِلِّ والحرمة من أمور الرأي والحرب والمكيدة والمسائل المتعلقة بتدبير الشأن العام.
- طور النضج والكمال: يبدأ مع بداية القرن الثاني الهجري إلى منتصف القرن الرابع الهجري، وهى الحقبة التي عاصرت الأئمة الأربعة، وفيها وُضعت أسس «علم أصول الفقه» لضبط الفتوى والأحكام الشرعية وتأسس «الفقه على المذاهب الأربعة» (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة)، وتمحور علم أصول الفقه حول حديث رسول الله ﷺ إلى معاذ ابن جبل عندما أرسله عاملاً على اليمن حيث ترتبت عليه مصادر التشريع الإسلامي (القرآن الكريم، السنة النبوية المشرفة، ثم الاجتهاد) وتم تفصيل مناهج الاجتهاد فيما كتب عمر بن الخطاب إلى قاضيه بالبصرة أبى موسى الأشعري فيما ليس في كتابٍ ولا سنة بالبحث عن الأشباه والأمثال، وقياس الأمور عليها، وأصبح مدلول كلمة الفقه مقصوراً على كافة الأحكام الشرعية العملية ما عدا المتعلقة بالعقائد. منذ صدر الدولة العباسية تحددت المصطلحات العلمية، وتمايزت العلوم الإسلامية واستقرت تبعاً لاختلاف موضوعاتها. فأصبح مدلول كلمة الفقه مقتصراً على أحكام العبادات والمعاملات دون غيرها من الأحكام. في حين أطلق على أحكام العقائد علم الكلام أو التوحيد. وعلى أحكام الأخلاق علم التصوف.
- طور الشيخوخة: إبتدأً من حيث إنتهى الطور الثالث إلى وقتنا الحاضر، ويطلق عليه، طور التوقف والركود، إذ غلب التقليد على الفقهاء، وشاع لديهم الاختصار إلى درجة ما يشبه الالغاز.)
[2] )هود: 91) [3] (الجرجاني: علي بن محمد: التعريفات، مادة فقه، ص 12)
[4] (مقدمة ابن خلدون، دار مكتبة الهلال 1988، ص 353)
[5] (النحل: 67) – [6] (البقرة: 219) – [7] (النساء: 43) – [8] (المائدة: 90)[9] د. محمد عمارة- كتاب ابو الاعلى المودودي والصحوة الاسلامية ص: 210-218 طبعة القاهرة سنة 1987م”
[10] شمولية أحكام الفقه الإسلامي لكل متطلبات الحياة: تمتاز أحكام الفقه الإسلامي عن القوانين الوضعية بأنها شاملة لكل مناحي الحياة الإنسانية، وتنظم جميع النشاط الإنساني. وهي تتناول علاقات الإنسان الثلاث، علاقته بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بمجتمعه، ولأن أحكام الفقه الاسلامي جاءت للدين والدنيا، ولأنه دين ودولة وعام للبشرية. ولذلك جاءت أحكام الفقه الاسلامي لتنظم كل ما يصدر عن الإنسان المكلف من أقوال وأفعال وتصرفات وقد قسم علماء أصول الفقه الأحكام العملية في القرآن الكريم إلى قسمين:
الأول- أحكام العبـــــادات: مما يُقصد به تنظيم علاقة الإنسان بربه من صوم وصلاة وحج وزكاة ونذر وأضحية وغير ذلك.
الثاني- أحكام المعاملات: والتي تنظم علاقات الناس بعضهم ببعض سواء كانوا أفراداً أم جماعات. من عقود وعقوبات وغير ذلك. وهذه الأحكام تشمل الاتي:
- أحكام عقود المعاملات: من بيع وإجارة وهبة وإعارة ورهن وشركة وغير ذلك مما يقصد بها تنظيم العلاقات المالية بين الناس.
- أحكام الأسرة أو الأحوال الشخصية: من زواج وطلاق ونفقة ونسب وميراث ووصايا وغير ذلك
- الأحكام الجنائية: وهي الأحكام التي تتعلق بما يصدر عن الإنسان المكلف من جرائم، وما يستحق عليها من عقوبات، ويقصد بها حفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم ويقصد بها حفظ الأمن.
- الأحكام الدستورية: وهي التي تنظم علاقة الحاكم بالمحكومين وتقرير ما للأفراد من حقوق وما عليهم من واجبات وهي ما نسميه بنظام الحكم.
- الأحكام الدولية: وهي الأحكام التي تتعلق بتنظيم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب، وعلاقة غير المسلمين المواطنين بالدولة بالمسلمين. وتشمل أحكام الجهاد والمعاهدات.
- أحكام المرافعات: وهي الأحكام التي تتعلق بالقضاء والدعوى وطرق الإثبات أمام القضاء، ويقصد بها تنظيم السلطة القضائية وتنظيم الإجراءات لإقامة العدالة بين الناس وفي المجتمع.
- الأحكام الاقتصادية والمالية: وهي الأحكام التي تتعلق بحقوق الأفراد المالية، والتزاماتهم وما ينشأ عنها ويتصل بها من أحكام. وتشمل الأحكام المالية التي تنظم علاقة الأغنياء والفقراء المالية. والعلاقات المالية التي بين الدولة والأفراد. وتشمل حقوق الدولة المالية. وتنظم موارد بيت المال ونفقاته. ولذا فهي تشمل أيضاً أموال الدولة العامة والخاصة.
- أحكام الأخلاق: وهي المحاسن والمساوئ أو الصفات والتصرفات المحمودة التي يجب أن يتحلى بها الإنسان المؤمن، والصفات والتصرفات المذمومة التي يجب أن يتجنبها لتشيع بين الناس صلات التعاون والتراحم والمحبة والوفاء.)
[17] (الحديث رواه أصحاب السنن عن أبي هريرة)
للحصول على مزيد من المعلومات برجاء متابعى على المنصات التالية:
الفيسبوك: https://www.facebook.com/profile.php?id=100088893776257
اليوتيوب: https://www.youtube.com/@ashrafrashad8031
التيك توك:https://www.tiktok.com/@ashraf.r1
الانستاجرام:https://www.instagram.com/ashraf.rashad.58/
