Web Analytics
عام

الجزري

الجزري: عبقرية هندسية مسلمة وضعت أسس الميكانيكا الحديثة

مقدمة

عندما نبحث في جذور الهندسة الميكانيكية الحديثة، فإننا غالبًا ما نتجه إلى أوروبا في عصر النهضة، غير أن الحقيقة التاريخية تكشف عن اسمٍ سبق تلك المرحلة بقرون، وهو الجزري، العالم المسلم الذي قدّم نموذجًا متكاملًا للجمع بين النظرية والتطبيق، وبين العلم والصناعة. لقد شكّلت اختراعاته نقطة تحول في تاريخ التكنولوجيا، وأسهمت بشكل مباشر في تطور أنظمة الحركة الميكانيكية التي قامت عليها الثورة العلمية والصناعية لاحقًا.

فترة حياته:530- 602 هـ / 1136 – 1206 م.
اهتماماته الرئيسية:من أعظم المهندسين والميكانيكين والمخترعين في التاريخ
التخصص:الميكانيكا والفيزياء
      اساتذته الذين تأثر بهم:عاش الجزري في زمن يبدو من الظاهر أنه يعاني الانحدار الحضاري ولكنه تضمن عشرات الأعمال للعلماء العرب المسلمين التي صبت عند الجزري ومن بعده علماء أوروبا، ففي عصره كانت كتب مثل «الثقل والخفة» لأقليدس، و«ساعات الماء التي ترمي بالبنادق» لأرخميدس، و«المخروطات» لأبلونيوس، و«الآلات المفرغة للهواء والرافعة للمياه» لهيرون الإسكندراني، مترجمة للعربية،
كما كانت كتابات البيروني عن صعود مياه الفورات «النوافير»، وحيل التحريك بالسوائل «ميكانيكا الموائع»، وما كتبه الخوارزمي في «مفاتيح العلوم» عن آلات سحب الأثقال، وما كتبه ثابت بن قرة والكوفي والفارابي وابن سينا وابن الهيثم والرازي وابن ملكا في مسائل الحركة والجاذبية، كلها منتشرة بين الدارسين من محبي العلوم.
تلامذته الذين تأثروا به:ليوناردو دافينشي (1452 -1519م)، علي بن خلف المرادي
منهج الجزري العلميكان الجزري مهندسًا عمليًا، واهتم بالحرفية اللازمة لصنع الأجهزة، وربط بين الدراسة النظرية والتجريبية، وكان يجري التجارب العلمية ليثبت بها صحة النظريات الهندسية، وكلّ إنجازاته تقع ضمن صناعة الآلات والاختراعات الميكانيكية.

أولًا: النشأة والسياق الحضاري

وُلد بديع الزمان أبو العز بن إسماعيل بن الرزاز الجزري في بلدة جيزرة (Cizre) جنوب شرق تركيا الحالية عام 1136م، ومنها اكتسب لقبه. وقد عاش في ديار بكر تحت رعاية بني أرتق، حيث تهيأت له بيئة علمية وصناعية مزدهرة.

كانت ديار بكر مدينةً عامرة بالمساجد والكنائس والأسواق والحرفيين، ما يعكس حالة من التعدد الثقافي والانفتاح الحضاري. وفي هذا المناخ، أمضى الجزري نحو ربع قرن يبتكر ويصمم، حتى صار كبير مهندسي الدولة.

ثانيًا: الاحوال السياسية المعاصرة له

بعد انتصار السلاجقة في معركة ملاذكرد جاء الأرتقيون إلى الأناضول مع القبائل التركية الأخرى. كان مؤسس السلالة “أرتق بن أكسب” حاكما للقدس وفلسطين من قبل السلاجقة عام 1086 م. ثم قام الفاطميون بطرد الأرتقيون من فلسطين سنة 1098 م. فرت الأسرة إلى شمال العراق وشرق سورية واستطاع الاراتقة تأسيس إمارة جديدة في ديار بكر وحصن كيفا.

وبعد أن وحد صلاح الدين الأيوبي مصر وبلاد الشام والجزيرة العربية والموصل تحت قيادته ليتسنى له جهاد الصليبيين، دخل معظم الأراتقة في طاعته، وتوجه وفد مشترك من الموصل ومارِدِين وكَيْفا إِلى دمشق سنة 572هـ / 1176م لتقديم فروض الطاعة لصلاح الدين، وحظي الجزري برعاية حكام ديار بكر من بني أرتق، ودخل في خدمة ملوكهم لمدة خمس وعشرين سنة، وذلك ابتداء من سنة 570هـ/1174م.

ثانيًا: كتاب «الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل[1]

بلغت عبقرية الجزري ذروتها في كتابه الشهير الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل الذي أتمه عام 1206م. ويُعد هذا العمل أروع ما كُتب في القرون الوسطى في الهندسة الميكانيكية والهيدروليكية.

ضم الكتاب خمسين جهازًا ميكانيكيًا قسّمها إلى ست فئات:

  • الفئة الأولـــي: وتضم عشر ساعات مختلفة، منها ساعات مائية ذات نظام تنبيه ذاتي.
  • الفئة الثانيــــة: وتضم عشرة تصميمات من الدمى الميكانيكية الذكية التي توزع المياه لجلسات الشرب.
  • الفئة الثالثــــة: وتضم عشرة تصميمات لموزعات المياه للوضوء.
  • الفئة الرابعــة: وتضم عشرة فوارات مائية “نوافير” وآلات موسيقية
  • الفئة الخامسة: وتضم خمسة تصاميم مختلفة من آلات رفع المياه، وصمامات تحويل وأنظمة تحكم ذاتي.
  • الفئة السادسة: وتضم خمسة آلات متنوعة مثل أدوات لقياس المجالات والأقفال.

وكانت هذه التقسيمات أساسا للتصنيفات الأوروبية في عصر النهضة. ويعد الكتاب “أروع ما كتب في القرون الوسطى عن الآلات الميكانيكية والهيدروليكية”. وقد أبهرت اختراعاته المهندسين على مر العصور وكتبه مترجمة إلى عدة لغات، ويعتبر الجزري اول مهندس غير مفهوم الهندسة وجمع بين العلم والعمل ويمثل وصفه للآلات وصف مهندس مخترع مبدع عالم بالعلوم النظرية والعلمية، وتعددت ابتكارات الجزري ونحاول أن نقدم هنا نبذة عن أهم تصاميمه:

وقد تميز الكتاب بلغة واضحة ورسوم توضيحية ملونة، مع شرح تفصيلي لطريقة التصنيع، مما يعكس رغبة المؤلف في نقل المعرفة للأجيال اللاحقة.

ثالثًا: الساعات… الدقة والهندسة الرمزية

ساعة الفيل

تُعد ساعة الفيل أعظم اختراعات الجزري، وهي ساعة مائية معقدة تجمع بين الرموز الحضارية الهندية والمصرية والعربية والصينية. اعتمدت على نظام عوامة مائية دقيقة تملأ خلال نصف ساعة، فتُطلق كرة تسقط داخل آلية ميكانيكية تُحرّك التنين والطيور والكاتب، في دورة متكررة منتظمة.

وقد أُعيد بناء نموذج لهذه الساعة في مركز ابن بطوطة في دبي، مما يعكس استمرار الاهتمام بها حتى العصر الحديث.

ساعة القلعة

تُعد من أدق الساعات الفلكية المائية في تاريخ الهندسة. استخدمت نظام تغذية راجعة للتحكم في تدفق المياه، وهو مبدأ يُعد أساسًا لأنظمة التحكم الحديثة.

اختراع “الستوب ووتش”

ابتكر الجزري ساعة شمعية دقيقة تعتمد على تقنية الحركة الذاتية، وتُعد سلفًا لمفهوم ساعة الإيقاف الحديثة، كما استخدم لأول مرة نظام التوصيل الميكانيكي بطريقة “الفحل والأنثى”.

رابعًا: الجزري وأسس الهندسة الميكانيكية الحديثة

يُنسب إلى الجزري عدد من الاختراعات المفصلية في تاريخ التكنولوجيا، منها:

1. العمود المرفقي (الكرنك)

يُعد أهم اختراع ميكانيكي بعد العجلة، إذ يحول الحركة الدائرية إلى حركة خطية ترددية، وهو أساس عمل:

  • المحرك البخاري
  • محرك الاحتراق الداخلي
  • المضخات الحديثة

2. عمود الحدبات (Camshaft)

قدّمه عام 1206م واستخدمه في الساعات وآلات رفع المياه، وظهر في أوروبا بعده بقرون.

3. مضخة الشفط مزدوجة الفعل

أول استخدام موثق لمبدأ:

  • الشفط الحقيقي
  • الحركة الترددية
  • نظام الصمامات
  • تحويل الحركة الدائرية إلى خطية

وقد استطاعت مضخته رفع المياه لمسافة 13.6 مترًا، متقدمة على نظيراتها الأوروبية بقرنين.

خامسًا: الإنسان الآلي والآلات ذاتية الحركة

يُلقب الجزري بـ “أبي الإنسان الآلي” لأنه صمّم آلات ذاتية الحركة، منها:

  • غلام الوضوء الأوتوماتيكي
  • الخادمة الآلية لغسل اليدين
  • فرقة موسيقية ميكانيكية قابلة للبرمجة
  • طاووس مائي متحرك
  • أبواب أوتوماتيكية تعمل بالطاقة المائية

وقد استخدم أنظمة كامات وأوتاد قابلة لإعادة البرمجة، مما يجعله رائدًا مبكرًا في مفهوم الروبوتات والبرمجة الميكانيكية.

سادسًا: ثورة في تقنيات رفع المياه

قبل الجزري، كانت معظم آلات رفع المياه تعتمد على قوة الحيوانات. أما هو فقد وضع الأساس للاستفادة من الطاقة المائية نفسها عبر:

  • مضخات ذات أسطوانتين متقابلتين
  • مضخات زنجير ودلاء
  • نواعير تعمل بآلية كرنك
  • شبكات توزيع مياه تعتمد على التروس

وقد شكّلت هذه الابتكارات الأساس الذي تطور لاحقًا إلى المحرك البخاري في أوروبا.

أثر الجزري في الحضارة الإنسانية

اعترف عدد من مؤرخي العلم الغربيين، مثل لين وايت، بأن العديد من ابتكارات الجزري انتقلت إلى أوروبا وأسهمت في نشأة الهندسة الميكانيكية الحديثة.

لقد مثّل الجزري نموذج العالم الموسوعي الذي جمع بين:

  • الفيزياء
  • الرياضيات
  • الميكانيكا
  • الهيدروليكا
  • الفلسفة التطبيقية

وهو بذلك لم يكن مجرد مخترع، بل واضع أسس علمية متكاملة أثّرت في تطور التكنولوجيا العالمية.

خاتمة

إن قراءة سيرة الجزري تكشف عن عقلٍ هندسي سبق عصره بقرون، وأسّس مبادئ ما زالت تحكم عالمنا الصناعي المعاصر. لم تكن إنجازاته مجرد أدوات نافعة، بل كانت قفزة نوعية في فهم الحركة والطاقة والتحكم.

لقد كان الجزري حلقة وصل بين العلم النظري والتطبيق العملي، وبين الحضارة الإسلامية وبدايات النهضة الأوروبية. ومن هنا، فإن إعادة اكتشاف إرثه ليست مجرد احتفاء بالماضي، بل وعيٌ بجذور التكنولوجيا التي نعيش بها اليوم.

المصادر والمراجع:

[1] (وضع الجزري العديد من التصاميم الصحيحة ميكانيكياً في كتابه المكتوب بخط اليد، والذي طبعته وزارة الثقافة التركية في شكله الأصلي عام 1990م، واسمه “معرفة عن الأجهزة الميكانيكية الخلاقة” الذي ألّفه في عام 1206م. وتوجد نسخ مخطوطات اخري في عدد من المتاحف العالمية كالباب العالي في إسطنبول ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن ومتحف اللوفر في فرنسا ومكتبة جامعة أوكسفورد.

   وترجم الكتاب إلى اللاتينية في القرن الثالث عشر الميلادي، أي بعد أقل من قرن من رحيل الجزري، كما ترجم فيدمان (Wiedmann) بعض فصول الكتاب إلى الألمانية في اوائل القرن العشرين. وكذلك كما ترجمه دونالد هيل (Hill)‏ المتخصص في تاريخ التكنولوجيا العربية إلى الإنجليزية.

   اعتبر سارتون والدوميلي وهونكه كتاب الجزري ذروة المعارف في الميكانيكا والديناميكا، وكتب عنه من العرب المحدثين أحمد يوسف الحسن في «الهندسة الميكانيكية العربية»، وأحمد عبد الرازق أحمد في «الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى»، ومصطفى نصيف في «علم الطبيعة»، وقدري حافظ طوقان في «العلوم عند العرب»، وحكمت نجيب عبد الرحمن في «دراسات في تاريخ العلوم عند العرب».)»

م. أشرف رشاد

هنا يمكنكم الاطلاع على فنــــــــــــون العمارة المختلفة ولان العمارة هي ام الفنون فسنلقي الضوء على المبادئ الأساسية للهندسة المعمارية مثل: تاريـــــــــــــــــخ وطرز العمارة عبر العصور المختلفة، وأهم النظريات والمدارس المعمارية، وكذلك التصميم المعماري عبر تحليل الأفكار المعمارية للمشاريع المختلفة، وأعمال الديكورات الداخلية والتشطيبات، نسأل الله أن ينفع بهذا العمل ويكون خالصاً لوجهه الكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى