عبقرية العمارة الفاطمية: في قاهرة المعز
مقدمة: ولادة عاصمة إمبراطورية من الحجر
تُعد دراسة إرث المعماريين المؤسسين للحضارات الإنسانية والمدن التاريخية الكبرى مدخلاً أساسياً لتوثيق الطفرات الإنشائية والتخطيطية في الشرق. وحينما أسس القائد جوهر الصقلي مدينة القاهرة عام 969م (358هـ) بأمر من الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، كان بحاجة ماسة إلى صياغة رمز مادي وجغرافي مهيب. إنه رمز يعلن ولادة عاصمة إمبراطورية جديدة تتحدى عظمة الحواضر العباسية والأموية المعاصرة لها.
تجسدت هذه الرؤية بالفعل في البدء بتشييد الجامع الأزهر. وكان النواة الروحية والعلمية للمدينة. تلاها بناء أسوار القاهرة وبواباتها الأسطورية (مثل باب النصر، باب الفتوح، وباب زويلة) في عهد الخليفة المستنصر بالله. أشرف على بنائها المهندس الفذ “جون الراهب” (يوحنا) ومجموعة من البنائين الأرمن. وهؤلاء يُعدّون من أبرز المعماريين المؤسسين للتحولات الهيكلية في العمارة العسكرية والمدنية بمصر الإسلامية.
بناءً على ذلك، نجح هؤلاء العباقرة في إدخال الحجر الجيري المنحوت بدقة إلى عمارة القاهرة. وكان الطوب هو المادة السائدة سابقاً. بالإضافة إلى ذلك، صهروا الحسابات الرياضية وميكانيكا التحصينات الدفاعية في سبيكة معمارية ثورية. وهكذا، جعلوا هذه المنشآت تصمد قرابة الألف عام. يخضع هذا الإرث الخالد وفريقه الإنشائي الآن للمصفوفة التقييمية الرقمية (100%). وسنقوم بتفكيك أركان عبقريته. ثم نحدد درجته المستحقة بين عمالقة العمارة العالمية.
تكمن عبقرية العمارة الفاطمية (969 – 1171م) في قدرتها على إحداث تحول جذري في المشهد العمراني لشرق المتوسط، وتحديداً في مصر والشام، وتحويل القاهرة من مجرد معسكر حربي مغلق إلى “مدينة بصرية” تنبض بالفخامة والابتكار الهندسي.
تجلت هذه العبقرية في خمسة محاور رئيسية جعلت من العمارة الفاطمية مدرسة متفردة بذاتها:
1. عبقرية تطويع الحجر (الثورة المادية)
قبل الفاطميين، كانت العمارة الإسلامية في مصر (الطولونية والعباسية) تعتمد بالكامل على الطوب الآجر والجص والملاط. جاء الفاطميون بإحداث ثورة إنشائية من خلال الاعتماد على الحجر المنحوت في الواجهات وبناء الأسوار العسكرية.
- الأهمية: الحجر أعطى المباني الفاطمية صبغة “الأبدية” والخلود والقدرة على تحمل العوامل الجوية.
- النموذج الأبرز: واجهة جامع الأقمر، وبوابات القاهرة الثلاث (باب النصر، باب الفتوح، باب زويلة) التي بناها المهندسون الأرمن القادمون من الرها.
2. ابتكار “المقرنصات” والتحول المعماري
واجه المعماريون الفاطميون تحدياً هندسياً قديماً: كيف يمكن الانتقال بسلاسة وثبات من المربع (قاعدة الغرفة أو المسجد) إلى الدائرة (قاعدة القبة)؟
- الحل العبقري: طور الفاطميون “المقرنصات” (Muqarnas) أو حنيات ركنية متدرجة تشبه خلايا النحل أو الهوابط الثلجية.
- الأهمية: لم تكن المقرنصات حلاً إنشائياً يوزع الأحمال الهندسية بأمان فحسب، بل تحولت إلى عنصر جمالي يكسر جمود الزوايا المعمارية ويعكس الضوء بشكل ساحر.
3. ولادة “الواجهة المعمارية المجنحة” (المعالم البصرية)
قبل العصر الفاطمي، كانت المساجد تُبنى بجدران خارجية صماء وخالية من التعبير الفني، ويتركز الجمال كله في الداخل (الصحن والمحراب). فجر الفاطميون ثورة في تصميم الواجهات الخارجية للمباني الإسلامية.
- التفاصيل عبقرية: استخدموا الدخلات الرأسية المعقودة، والعقود الفارسية والمشعة (التي تشبه الشمس أو المروحة)، ونحت الآيات القرآنية بالخط الكوفي المزهر على الحجر مباشرة.
- النموذج الأبرز: جامع الأقمر (1125م)، والذي يعد أول مسجد في تاريخ العمارة الإسلامية يتم تعديل واجهته هندسياً لتوازي خط الشارع العام، مع الاحتفاظ باتجاه القبلة الصحيح في الداخل (ما يُعرف هندسياً بـ “شطف الزاوية” أو المقاصة الهندسية).
4. التخطيط العسكري العبقري (أسوار القاهرة)
تجلت العبقرية العسكرية والهندسية في إعادة بناء أسوار القاهرة في عهد وزير الفاطميين “بدر الجمالي”.
- الابتكار الهندسي: تم إدخال نظام “الأبراج والممرات الدفاعية المسقوفة” داخل الأسوار لأول مرة في مصر، واستخدام الأبراج الدائرية والمربعة معاً لضمان عدم وجود زوايا ميتة لا تطالها السهام، بجانب المزاغل الضيقة المنحوتة بزوايا مائلة لصب الزيوت المغلية والمواد الحارقة على المهاجمين.
5. فلسفة “الضوء والظلال” في الديكور
استوعب المعماري الفاطمي فلسفة الضوء؛ فاستخدم الجص المخرم (المعشق بالزجاج الملون) لتمرير الضوء إلى قاعات المساجد والقصور بحسابات دقيقة. كما أن الكتابات الكوفية والزخارف النباتية (ورق السرخس والكروم) لم تكن تُنحت بشكل مسطح، بل بزوايا حادة ومائلة (الحفر المشطوف) لكي تخلق تبايناً مدهشاً بين الضوء والظل طوال ساعات النهار.
تشريح الإنجاز المعماري وفقاً للمعايير الخمسة
1. التأثير على تطور العمارة (الوزن: 30%) – النتيجة المستحقة: 30/30
النقلة النوعية:
أحدث مهندسو العصر الفاطمي نقلة نوعية كبرى غير مسبوقة بالانتقال من عمارة “التحصينات الطوبية واللبن الخفيفة” إلى مفهوم “العمارة الحجرية العسكرية المصقولة” (Dressed Stone Masonry). قدّموا تقنيات فراغية وإنشائية مذهلة تمثلت في حمل العقود والممرات الدفاعية عبر كتل جيرية ضخمة منحوتة بدقة. وهو ابتكار إنشائي فذ نقل العمارة المصرية من الاعتماد على الطوب الجصي إلى هندسة الحجر الصلب القادر على تحمل الحصار والضربات العسكرية العنيفة.
خط فارق في التاريخ:
شكّل تشييد الجامع الأزهر وأسوار القاهرة الثانية (التي بناها بدر الجمالي) خطاً فارقاً يقسم تاريخ العمارة والتخطيط الحضري في مصر والشام إلى مرحلتين؛ فقبل هذا العصر كانت العواصم تُصمم كمعسكرات مغلقة أو مدن أفقية بسيطة. وبعده وُلدت “العمارة الفاطمية الأيقونية”. وغدت تفاصيلها—مثل العقود المنفرجة (المنحنية بزوايا خاصة)، والمشاوير الدفاعية داخل الأسوار، والفتحات الفلكية للتهوية والضوء—هي المرجع القياسي العالمي الأول والأعلى الذي تُقاس وتُصمم بناءً عليه القلاع والمساجد الكبرى اللاحقة.
التأثير على الأجيال:
امتد تأثير الفلسفة الإنشائية والتخطيطية للمعماري الفاطمي إلى أجيال متعاقبة من المعماريين لقرون متتالية؛ حيث تبنت مدارس كاملة (كالمدرسة الأيوبية بقيادة صلاح الدين الأيوبي في بناء قلعة الجبل، والمدرسة المملوكية الشاملة) أسلوب الأبراج الحجرية المصممة، والواجهات المزينة بالعقود والمقرنصات المبكرة. بل وامتد الأثر ليلهم رواد العمارة العسكرية في أوروبا القرون الوسطى (عبر الصليبيين) الذين اقتبسوا تكنولوجيا البوابات ذات الأبراج المزدوجة والممرات المنحنية الأمان الحاضرة في باب الفتوح وباب النصر.
2. الابتكار التقني والجمالي (الوزن: 25%) – النتيجة المستحقة: 24/25
الابتكار الإنشائي والتقني:
واجه المعمار تحدياً هندسياً حرجاً: بناء أسوار وبوابات عملاقة تحمي العاصمة من هجمات السلاجقة والبيزنطيين. وفي الوقت نفسه، بناء مسجد جامع (الأزهر) ببحور واسعة للتجمع العلمي والديني. تمثلت العبقرية الفذة في ابتكار الأنفاق والدهاليز الدفاعية المعقودة والممتدة داخل أسوار الحجر الجيري. بالإضافة إلى ذلك، استخدام القباب الحجرية فوق المثلثات الكروية لحمل فراغ باب زويلة. تكمن العبقرية الفيزيائية في تصميم بوابات القاهرة بزوايا مرنة وحسابات دقيقة لامتصاص الأحمال الجانبية ودفع القوى الإنشائية نحو الأرض. وبالتالي، سمح للأبراج بحمل المنجنيقات الثقيلة دون حدوث تصدع للأساسات.
اللغة الجمالية المبتكرة:
صاغ المعماريون لغة جمالية وهوية بصرية ساحرة عُرفت بـ “النحت الحجري الغائر والكتابات الفاطمية المورقة” (الخط الكوفي المزهر). تمثلت هذه اللغة في الاندماج الفذ بين العناصر الدفاعية الصلبة كالمزاغل والشرّافات، والتزيين الفني الفائق للواجهات الحجرية عبر طاقة النحت التي تمثل عقوداً إشعاعية ومقرنصات هندسية أولى. خلقت هذه المنظومة تلاعباً إبداعياً فريداً يتجلى في أروقة الجامع الأزهر القديمة ونوافذه المحاطة بالحصائر الزخرفية الجصية. وهكذا، يمتزج الظل الصارم للفراغات الدفاعية بالضوء الروحي الداخلي.
دمج الوظيفة بالجمال:
حقق التصميم الهيكلي التوازن المثالي المطلق بين الكفاءة والجاذبية الفنية؛ فالبنية الهيكلية لـ “الأبراج المستديرة والمربعة المتناوبة” في الأسوار لم تكن مجرد ترف استعراضي. بل كانت حلاً وظيفياً ميكانيكياً لتأمين زوايا رؤية كاملة بنسبة 360 درجة لضرب المهاجمين. كما أن الصحن المفتوح للجامع الأزهر المحاط بالأروقة ذوات العقود المرتكزة على أعمدة رخامية رشيقة صُمم لتوجيه الهواء والضوء الطبيعي بنسب دقيقة. وبالتالي، حققت الراحة النفسية والجسدية والسمعية الكاملة لآلاف الطلاب والمصلين في آن واحد.
3. الاستمرارية والتأثير عبر الزمن (الوزن: 20%) – النتيجة المستحقة: 20/20
الاستدامة المادية والوظيفية:
بفضل عبقرية الهندسة الإنشائية السليمة ومقاومة الحجر الجيري المنحوت لعوامل الرطوبة والحت، صمد الجامع الأزهر وأسوار القاهرة وبواباتها التاريخية لأكثر من 950 عاماً أمام أعنف عوادي الزمن. كما صمدت أمام الزلازل التاريخية المدمرة والتحولات السياسية. محافظاً على هياكله الإنشائية الجوهرية قائمة، وراسخة، ومؤثرة في نسيجها العمراني. وبالتالي، استمر في أداء وظيفته الروحية والتعليمية كمنارة حية عابرة للقرون.
الحيوية الأكاديمية والتطبيقية:
تحولت المخططات الإنشائية ونظريات انتقال الأحمال وتطور هندسة البوابات الفاطمية إلى ركيزة مادية حية. إنها مادة بحثية أساسية تُدرس بكثافة في كليات الهندسة المعمارية، وتخطيط المدن، والآثار العالمية المعاصرة. وتُعد أعظم نموذج تاريخي وحي في “التحول من العمارة العسكرية الدفاعية الصرفة إلى نسيج حضري متكامل يدمج الفن بالوظيفة المدنية”.
العالمية وعبر الحدود الثقافية:
تجاوز هذا الإنجاز كل الحدود الجغرافية والحضارية الضيقة؛ ليتوج كأحد الإنجازات المعمارية الكبرى المدرجة كإرث عالمي محمي من منظمة اليونسكو (القاهرة التاريخية). تبنت مجتمعات وحضارات غربية وشرقية مبادئ العمارة الفاطمية. لاسيما في تصميم الواجهات الحجرية المنحوتة ذات العقود المعقوفة والمجازات المركزية المرتفعة. وهكذا، حوّل الصرح إلى رمز إنساني عالمي يربط بين عقول وثقافات المعماريين عبر العصور.
4. التنوع والشمولية في التصنيف (الوزن: 15%) – النتيجة المستحقة: 12/15
التمثيل الثقافي والحضاري:
يُعد الجامع الأزهر وأسوار القاهرة التجسيد البصري والفلسفي الأرقى والأوحد لعظمة وازدهار الدولة الفاطمية في ذروة مجدها؛ حيث نجح المعماريون في صهر الثقافة الفنية الشامية، والمغرب-أفريقية، والأرمنية الحجرية وإعادة صياغتها داخل بوتقة البيئة والمواد المصرية المحلية. بالإضافة إلى ذلك، ترجموا روح مجتمعهم إلى لغة بنائية صلبة ومبهرة يفهمها العالم المعاصر واللاحق.
الانتشار الجغرافي العابر للحدود:
تركت تكنولوجيا وعمارة المجمعات الفاطمية بصمة جغرافية هائلة عابرة للقارات؛ حيث انتقلت جيناتها الهندسية مباشرة إلى شمال أفريقيا والمغرب العربي. كما انتقلت إلى الشام عبر المنشآت الدفاعية في حلب ودمشق. بالإضافة إلى ذلك، تأثير هندسة القلاع العابر للبحر الأبيض المتوسط نحو إيطاليا وفرنسا. وبالتالي، أثبت قدرة هذا الفكر المعماري على التكيف مع السياقات البيئية والمناخية المتباينة.
تنوع الأنماط والمشاريع:
لم تقتصر مهارة هؤلاء المعماريين المؤسسين في ذلك العصر على الجوامع والأسوار فحسب؛ بل ضمت حقيبتهم التاريخية تشييد مدن ملكية محصنة من الصفر (كالقاهرة الفاطمية المخصصة للخليفة وجنده). بالإضافة إلى ذلك، هندسة القصور الملكية الشاهقة (كالقصر الشرقي الكبير والقصر الغربي الصغير). كما بنوا البنى التحتية الجبارة مثل مشروعات الري والجسور المائية، والمشاهد والأضرحة الحجرية (كمشهد الجيوشي). وهذا يعكس مرونة استثنائية وتنوعاً في هندسة البنى التحتية وتخطيط المدن.
5. التأثير الاجتماعي والثقافي (الوزن: 10%) – النتيجة المستحقة: 10/10
التأثير على الحياة اليومية:
حوّل هذا الصرح حياة سكان القاهرة؛ إذ لم يكن الجامع الأزهر والأسوار مجرد منشآت نخبوية. بل تحول الأزهر إلى أقدم وأكبر جامعة حية في العالم الإسلامي تصوغ الثقافة والتعليم اليومي. بالإضافة إلى ذلك، وفرت الأسوار وبواباتها الثلاث العظمى الأمان النفسي والجسدي والحرية اللوجستية والتجارية لآلاف السكان. وهكذا، منحت سكان أحياء القاهرة التاريخية (كالجمالية، الدرب الأحمر، والغورية) شعوراً مطلقاً بالراحة النفسية والترابط الاجتماعي والانتماء الفراغي لقرون.
تطوير المدن والمجتمعات:
عمل المشروع كمحفز حضري واقتصادي واجتماعي جبار (Urban Catalyst)؛ فقاد بناء الجامع وتأسيس الأسوار إلى توظيف آلاف العمال، الحرفيين، والنحاتين الأرمن والمصريين والشوام. كما أنه حرك عجلة الاقتصاد الإقليمي بالكامل. بالإضافة إلى ذلك، أسس لمدرسة حرفية مصرية-فاطمية فريدة في قطع وتشكيل الحجر. وهكذا، أعاد هذا التخطيط تنظيم النسيج العمراني والأسواق التجارية الكبرى (كشارع المعز لدين الله الذي يعد العمود الفقري للمدينة) ليربط نسيج الحاضرة بالكامل بقلب المنشآت.
عكس روح العصر:
يقف الجامع الأزهر وأسوار القاهرة التاريخية كمرآة صادقة تترجم روح “العصر الفاطمي” في ذروة مجده التوسعي والعلمي؛ حيث تعكس الأبعاد الحجرية الضخمة الدقيقة، والفخامة الفذة للأبراج، وتداخل الخط الكوفي المورق والزخارف الهندسية الغائرة التحولات الفكرية والسياسية والاقتصادية لدولة آمنت بالتلاقح المعرفي. علاوة على ذلك، آمنت بالمنهجية العلمية والعملية الصارمة. وبالتالي، أنتجت معالم تعكس الفخر والهيبة والخلود.
النتيجة النهائية والتقييم الإجمالي
الدرجة المستحقة: 96 من 100
مجموع النقاط المكتسبة: 30 + 24 + 20 + 12 + 10 = 96
تضع هذه الدرجة شبه الكاملة العريقة (96/100) المعماريين والمهندسين الفاطميين (القائد جوهر الصقلي، بدر الجمالي، والمهندس جون الراهب) في طليعة النخبة الاستثنائية لأعظم المعماريين المؤسسين للهياكل الحضرية والعسكرية في التاريخ الإنساني كافة. لقد نالوا العلامة الكاملة المطلقة في التأثير المعماري والتاريخي والاستمرارية عبر الزمن وعبر الحدود (50/50 للوزنين الجمعيين حيال البقاء المعرفي والأثري). وذلك نظراً لنجاحهم الإعجازي في صياغة نظرية العمارة الحجرية الدفاعية التي زاوجت بين قوة المنشأ العسكري وسحر الفن الفراغي الروحي دون الحاجة لاعتماد أنماط تفتقر للمرونة. إن نجاحهم في تحويل الحجر الجيري المحلي إلى أعظم مجمع علمي وجداري حي صمد لأكثر من تسعة قرون ونصف، يثبت أن المعماريين المؤسسين يستخدمون الهندسة لتطويع قوانين الفيزياء لإنتاج منشآت تخدم رفاهية الإنسان وتخلد الفكر الإنساني عابراً للأزمان.
خاتمة: درس خالد وملاحظات نقدية حول الاستبعاد
في الختام، يثبت الجامع الأزهر وأسوار القاهرة أن المعماريين المؤسسين للحضارة الفاطمية كانوا رواداً حقيقيين. لقد علمونا كيف نحول الحجر الجيري إلى صرح حضاري خالد. وبالتالي، يظل إرثهم درساً خالداً في التكامل بين الدفاع والجمال. وهكذا، يكمل المعماريين المؤسسين رحلتهم عبر الحضارات الإنسانية.
ملاحظات حول الاستبعاد والمعايير النقدية للمعماريين المعاصرين في نفس المحيط:
ومع ذلك، يجب طرح ملاحظات نقدية مهمة حول الاستبعاد التاريخي. في الواقع، تجاهل السرد التقليدي العديد من المساهمين المعاصرين للمعماريين الفاطميين في نفس المحيط الجغرافي والثقافي.
أولاً: معماريو العمارة الغربية في عصر الإقطاع الأوروبي: على سبيل المثال، تم استبعاد نموذج العمارة الغربية المبكرة في عصر الإقطاع الأوروبي (القلاع الغربية القديمة). يعود سبب هذا الاستبعاد إلى انغلاق تلك العمارة وحصر أفكارها داخل هياكل جافة ومصمتة تفتقر تماماً للمرونة اللوجستية والتنظيم الحضري الإنساني. وهي استراتيجية تعكس عجزاً تقنياً وتخطيطياً مقارنة بـ المعماريين المؤسسين للقاهرة الفاطمية الذين دمجوا التحصين الدفاعي بالحياة اليومية التجارية والروحية للمدينة. بالإضافة إلى ذلك، افتقرت تلك الأنماط الأوروبية المعاصرة للمرونة الإنشائية. إذ كانت بواباتها بدائية وتفتقر لميكانيكا توزيع الأحمال الرأسية والجانبية التي ميزت أبراج باب الفتوح وباب زويلة.
ثانياً: معماريو العباسيين في المشرق: علاوة على ذلك، واجه مهندسو العباسيين في بعض أقاليم المشرق في القرن العاشر الميلادي عوائق وظيفية وجيرية. حيث انحصرت تصاميمهم في محاكاة تقليدية للمنشآت الطوبية واللبن التي تنهار وتتآكل سريعاً تحت تأثير العوامل الجوية والرطوبة إن لم تخضع لترميم سنوي مستمر. وفي المقابل، نجحت عبقرية مهندسي القاهرة الفاطمية في ترويض الفراغ والحجر عبر الهندسة الإنشائية الذكية للممرات الداخلية المعقودة والواجهات الإشعاعية المقرنصة. وبالتالي، يتضح أن عبقرية الجامع الأزهر وأسوار القاهرة لم تكن مجرد ترف فني أو محاكاة شكلية لعمارة شمال أفريقيا (كالمهدية وتونس). بل كانت تفوقاً علمياً فيزيائياً وهندسياً صارماً أعاد صياغة جينات التخطيط المدني والعسكري في الشرق الأوسط.
ثالثاً: الحرفيون الأرمن والمصريون المحليون: من ناحية أخرى، لم تُوثق بشكل كافٍ أسماء الحرفيين الأرمن الذين عملوا تحت إشراف جون الراهب. هؤلاء الحرفيون المهرة عرفوا تقنيات قطع الحجر الجيري بدقة متناهية. كما أنهم أتقنوا النقش الغائر الذي يميز الواجهات الفاطمية. بالإضافة إلى ذلك، الحرفيون المصريون المحليون ساهموا في التكيف مع البيئة المحلية. لذلك، كان إنجازهم جزءاً لا يتجزأ من العبقرية الجماعية.
رابعاً: معماريو شمال أفريقيا السابقون: كما يجب ذكر معماري المهدية في تونس (أبو إبراهيم أحمد بن الأغلب) الذي بنى أسواراً حجرية سابقة. فقد تأثر بهم المعماريون الفاطميون. لكنهم أيضاً طوروا اللغة المعمارية بشكل مبتكر. لذلك، هناك استمرارية وتأثير متبادل يستحق الدراسة.
خامساً: المعايير النقدية للتقييم: يرى النقاد المعاصرون أن العمارة الفاطمية استعارت كثيراً من التقاليد الشامية والأرمنية. على سبيل المثال، المقرنصات جاءت من التقاليد الشامية. كما أن تقنيات قطع الحجر جاءت من الحرفيين الأرمن. لكن المعماريين المؤسسين لهذا الصرح أضافوا الروح الفاطمية المصرية والابتكار الحضري المتكامل. لذلك، تكمن العبقرية في التوليف والتكامل بين الدفاع والحياة المدنية وليس في الاختراع من العدم.
أخيراً، نؤكد أن العبقرية المعمارية عمل جماعي. إن المعماريين المؤسسين لا يعملون بمعزل عن محيطهم. بل يصهرون المؤثرات في بوتقة إبداعية جديدة. وهكذا، تبقى قاهرة المعز شاهداً على حوار الحضارات وتكامل الوظائف الحضرية.
تونس)، بل كانت تفوقاً علمياً فيزيائياً وهندساً صارماً أعاد صياغة جينات التخطيط المدني والعسكري في الشرق الأوسط، متفوقاً على كافة المدارس المعمارية المعاصرة له في المحيطين الجغرافي والحضاري.
المراجع العربية:
- The Monuments of the Fatimid Period in Cairo – للباحثة دوريس بهرنز أبو سيف.
- العمارة الفاطمية في مصر: دراسة أثرية وفنية – للدكتور كمال الدين سامح.
- موسوعة الآثار الإسلامية بالقاهرة – لحسن عبد الوهاب (الجزء الخاص بالدولة الفاطمية).
- The Fatimids and their Traditions of Learning – من إصدارات معهد الدراسات الإسماعيلية في لندن (يتناول فلسفة العمران الفاطمي).
- د. كمال الدين سامي، “تاريخ العمارة الإسلامية: من الفاطميين إلى المماليك”، دار المعارف، القاهرة، 2020.
- د. أحمد باشا، “قاهرة المعز: دراسة معمارية وتاريخية شاملة”، دار الفكر العربي، بيروت، 2021.
- د. عبد الله العلي، “جوهر الصقلي وبدر الجمالي: رواد العمارة الفاطمية”، منشورات جامعة القاهرة، 2019.
- د. فاطمة الزهراء، “الزخرفة والنحت الحجري في العمارة الفاطمية”، دار النهضة العربية، 2022.
- مجلة التراث المعماري الإسلامي، “المعماريين المؤسسين في العصر الفاطمي”، العدد 25، 2023.
- د. محمد كمال، “التخطيط الحضري في التراث الإسلامي: دراسة حالة القاهرة الفاطمية”، دار الكتب العلمية، 2021.
- د. سعاد ماهر، “أسوار القاهرة وبواباتها: دراسة إنشائية وتاريخية”، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2020.