ماسبيرو

ماسبيرو: العمارة الوظيفية في المنشآت الإعلامية

مقدمة: التوجه الحداثي في عمارة الستينيات

يقف مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري “ماسبيرو” على ضفاف نيل القاهرة ليس مجرد منشأة إدارية، بل كشاهد حي على عصر النهضة الإعلامية في الوطن العربي. هذا الصرح الذي ارتبط اسمه بعالم الآثار الفرنسي “جاستون ماسبيرو”، لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة رؤية سياسية طموحة وتحدٍ هندسي استثنائي.

من هضبة المقطم إلى كورنيش النيل، ومن الخطوط الهندسية البسيطة إلى مجمع استوديوهات عالمي، يحكي “ماسبيرو” قصة إرادة مصرية صاغت وجدان الملايين.

1. نشأة فكرة ماسبيرو: من المقطم إلى ضفاف النيل

بدأت ملامح الحلم عام 1954م بمشروع تقدم به الصاغ صلاح سالم للرئيس جمال عبد الناصر، تضمن إنشاء محطة إذاعية وتليفزيونية فوق جبل المقطم.

ومع حماس القيادة السياسية، اعتُمد مبلغ 108 آلاف جنيه لإقامة مبنى جديد على مساحة 12 ألف متر مربع بشارع ماسبيرو. بكورنيش النيل، وبدأت الدراسات وأعلن عن استيراد مصر لأجهزة اتصال حديثة خلال عام 1956م.

إلا أن المشروع قد تعثر مؤقتاً بسبب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حتى أعاد الدكتور عبد القادر حاتم إحياء الفكرة في 1959م، ليبدأ التنفيذ الفعلي بجدول زمني قياسي انتهى بافتتاح الإرسال في 21 يوليو 1960.

2. جلال مؤمن: المعماري المصري بروح باريسية

من باريس بدأت الحكاية حين سافر “صلاح عامر”، وكيل الإذاعة المصرية آنذاك، إلى باريس بحثاً عن خبير فرنسي لتصميم الصرح المرتقب. فنصحه الخبير الفرنسي “مسيو سال” نصيحة ذهبية: باختيار معماري مصري يتقن الفرنسية لتسهيل التعامل. ولانه الأقدر على فهم لغتنا وتطويع رؤيتنا”. ومن بين قائمة المبتعثين في مدرسة الفنون الجميلة العليا بباريس (البوزار)، وقع الاختيار على الشاب جلال مؤمن.

المسابقة الكبرى والبداية المهنية لم يكد جلال مؤمن يعود إلى وطنه، حتى وجد في انتظاره خطاباً رسمياً يدعوه للمشاركة في مسابقة معمارية كبرى تضم مكاتب محلية وأجنبية. وبلمسة عبقرية، استطاع مؤمن اقتناص الفوز، لتبدأ حياته العملية بواحد من أضخم المشاريع القومية، حيث تعاقدت معه الدولة عام 1956 براتب بدأ بـ 32 جنيهاً، قبل أن يرتفع إلى 58 جنيهاً بتدخل من مجلس الوزراء تقديراً لموهبته.

الفلسفة المعمارية: تحليل معماري وإنشائي لمبنى “ماسبيرو”

3. التحليل الكتلي (Massing) وفلسفة التكوين:

يظهر مبنى ماسبيرو ككتلة بصرية مهيبة، يعتمد المبنى في تكوينه على التضاد الكتلي بين قاعدتين أساسيتين:

4. التحليل الأفقي وتوزيع الأدوار (Floor Plans Analysis)

ينقسم المبنى وظيفياً إلى قطاعات راسية مدروسة بعناية:

أ. قطاع الاستوديوهات (الأدوار السفلية)

تم اعتماد مخطط “قطرية المروحة” التي استكملت لتشكل نصف دائرة، ولم يكن الشكل نصف الدائري مجرد ترف جمالي، بل كان ضرورة وظيفية وعلاجاً صوتياً:

ورغم الأقاويل التي تربط بين تصميم مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري “ماسبيرو” بالتليفزيون الفرنسي، فإن الحقيقة تكمن في “الحتمية الوظيفية”. فقد كان التحدي الأكبر أمام جلال مؤمن هو معالجة “ترديد الصوت” داخل الاستوديوهات. لذا، اعتمد تصميم “قطرية المروحة” التي استكملت لتصبح نصف دائرة؛ وهو حل هندسي عالمي يهدف لامتصاص الموجات الصوتية وتقليل صداها عبر توجيه أضلاع الاستوديو نحو مركز الدائرة.

ب. القطاع الإداري والتحريري (الأدوار الوسطى)

تنتقل الوظيفة هنا من المساحات المفتوحة إلى المكاتب الإدارية وغرف المونتاج. تم استغلال المحيط الخارجي لنصف الدائرة لتوفير إضاءة وتهوية طبيعية للمكاتب، بينما بقيت الخدمات الميكانيكية (المصاعد، السلالم، تمديدات التكييف) في النواة المركزية (Core).

ج. قطاع البث والاتصالات (الأدوار العليا والبرج)

خُصصت الأدوار العليا في البرج لأجهزة الإرسال والتحكم، وينتهي البرج بمنصات للهوائيات وأجهزة الميكروويف، محققاً أقصى استفادة من الارتفاع الرأسي لضمان جودة الإشارة.

5. تحليل الواجهات المعمارية (Façade Analysis)

المعماري جلال مؤمن ينتمي إلى مدرسة “البوزار” في فرنسا، وهذا يفسر الحس “النصبى” (Monumentality) في تصميماته، حيث يميل لتعظيم الكتلة المعمارية لتعبّر عن قوة المؤسسة. حيث تتميز واجهة ماسبيرو بـ “الإيقاع الرأسي المستمر”، ويمكن تحليلها كالتالي:

6. الحلول الإنشائية والتوسعات (Engineering Solutions)

اعتمد المصمم نظام الهياكل الخرسانية المسلحة ذات البحور الواسعة (Long Spans) في قاعات الاستوديوهات، مع فصل إنشائي دقيق لمنع انتقال الاهتزازات. )

عبقرية التنفيذ واستشراف المستقبل على مدار ست سنوات، عكف مؤمن على رسم أكثر من 3,000 لوحة هندسية، مراعياً أدق التفاصيل التقنية والتوسعات المستقبلية. كما تضمن التصميم الاصلي استشرافاً للمستقبل عبر:

7. انطلاق إرسال ماسبيرو والتطور التاريخي

في السابعة مساء 21 يوليو 1960، انطلق أول بث تليفزيوني مصري بتلاوة قرآنية للشيخ محمد صديق المنشاوي، تلاها ظهور الإذاعى الكبير صلاح زكى كأول مذيع تليفزيونى ليعلن مولد التليفزيون العربى من القاهرة وإذاعة وقائع حفل افتتاح مجلس الأمة وخطاب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ونشيد “وطني الأكبر” ثم نشرة الأخبار وختام بالقرآن الكريم.

وهكذا تطور البث من قناة واحدة إلى ثلاث قنوات، ثم شهد المبنى تحولات محورية، حين أصدر الرئيس الراحل أنور السادات مرسوما في 1970م، بإنشاء اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري، حيث:

8. ماسبيرو الجديد: أبراج النيل والتطوير العصري

لا يتوقف تاريخ المنطقة عند المبنى التاريخي، بل يمتد اليوم من خلال مشروع “أبراج النيل ماسبيرو”، والذي يتضمن:

الخاتمة: ماسبيرو كنموذج لعمارة التكنولوجيا

يُمثل مبنى الإذاعة والتليفزيون المصري (ماسبيرو)، الذي صممه المعماري جلال مؤمن وافتتح عام 1960، ذروة العمارة الحداثية في مصر التي تبنت مفاهيم “العمارة الوظيفية” الصارمة. تكمن الأهمية الأكاديمية للمبنى في كونه “آلة إعلامية” ضخمة، حيث لم يكن التصميم ترفاً جمالياً، بل حلولاً هندسية لمعضلات صوتية وتقنية معقدة في بيئة حضرية مزدحمة على ضفاف النيل.

إن مبنى ماسبيرو يمثل حالة دراسية مثالية للمهندس المعماري؛ فهو يثبت أن الجمال المعماري هو النتيجة الحتمية لحل المشكلات الوظيفية بذكاء. استطاع جلال مؤمن أن يحول “قيود هندسة الصوت” إلى “ميزة تشكيلية” جعلت من المبنى أيقونة خالدة، توازن بين صلابة “الجبل” وانسيابية “النهر”.

المراجع:

وبكدة نكون وصلنا لنهاية المقال عن موضوع: ماسبيرو.

للحصول على مزيد من المعلومات برجاء متابعى على المنصات التالية:

الفيسبوكhttps://www.facebook.com/profile.php?id=100088893776257

اليوتيوب: https://www.youtube.com/@ashrafrashad8031

التيك توك:https://www.tiktok.com/@ashraf.r1

الانستاجرام:https://www.instagram.com/ashraf.rashad.58/

Exit mobile version