مصادر التشريع في عهد النبوة
مصادر التشريع في عهد النبوة:
تٌعدّ فترة النبوة المرحلة الأساسية التي وُضع فيها البناء التشريعي الأول للشريعة الإسلامية. ففي هذا العصر تَنزَّل القرآن الكريم، ورسّخ النبي ﷺ أصول التشريع وبيّن الأحكام وطبّقها في المجتمع المدني الناشئ. وقد تميز التشريع في عهد النبوة بالوضوح، والتدرج، والارتباط بالواقع، والاعتماد على مصادر قطعية تُشكّل الأساس القانوني والفقهي لجميع العصور التالية. وفي هذا المقال نستعرض أهم مصادر التشريع في عهد النبوة، وكيف ساهمت في تنظيم حياة المسلمين وبناء مجتمع يقوم على العدل والرحمة.
مصادر التشريع في عهد النبوة كان يعتمد اعتماداً فعلياً على مصدرين فقط هما ما يتعبد بتلاوته وهو القرآن الكريم، وما لا يتعبد بتلاوته وهو السنة والأحاديث القدسية.
أولًا: القرآن الكريم — المصدر الأول للتشريع:
القرآن الكريم: هو كلام الله سبحانه وتعالى المنزل على النبي ﷺ المتعبد بتلاوته المكتوب في المصاحف بدأً من سورة الفاتحة و نهاية بسورة الناس المنقول إلينا نقلاً متواتراً، أنزله الله للناس هدى وبينات من الهدى والفرقان، ولا شك أن القرآن الكريم فيه بيان كل شيء، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [1]، وقال: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [2]، فالقرآن الكريم هو الأصل الأعلى للشريعة وأهم مصادرها، وقد نزل مُفصِّلًا لأصول الدين، ومشتملًا على أحكام كلية ومبادئ عامة تُنظّم الحياة.
1. خصائص القرآن كمصدر تشريعي:
- يضع المبادئ الكبرى للأحكام: العدل، الشورى، المساواة، الأخوة، حفظ النفس والمال والعقل.
- يحتوي على أحكام مباشرة: المواريث، الصيام، الزكاة، القصاص، البيع، الزواج والطلاق.
- يرسخ قواعد عامة تصلح لكل زمان: البر، الإحسان، الوفاء بالعهد، تحريم الظلم.
2. أمثلة لأحكام تشريعية في القرآن:
- المواريث: سورة النساء
- الصيام: سورة البقرة
- تحريم الربا: آخر سورة البقرة
- تنظيم الأسرة: سورتي النساء والطلاق
بهذا كان القرآن هو المرجع الأول الذي يُرجع إليه الصحابة في كل شأن من شؤون الدين.
ثانيًا: السنة النبوية — المصدر الثاني للتشريع
السنة النبوية: هي كل ما صدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وكان مقصوداً به التشريع و الاقتداء ونقل إلينا بسند صحيح فإنه يعتبر حجة وهو مصدر للتشريع. وهي مبيّنة للقرآن ومفصلة لأحكامه، وشارحة لما أجمل فيه. والسنة النبوية تتخذ ثلاثة أنواع وهي:
- السنة القولية: وهي الأحاديث التي نص عليها الرسول ﷺ بلفظه وقالها بلسانه في مختلف المناسبات، مثل قوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات)، أو (لا ضرر ولا ضرار)، ونحو ذلك من النصوص القولية.
- السنة الفعلية: وهي الأفعال التي فعلها رسول الله ﷺ أمام الصحابة رضوان الله عليهم ليأخذوها منه، مثل أفعال الوضوء وأفعال الصلاة وأداء شعائر الحج، ومثل قضائه ﷺ بشاهد ويمين، ومثل قطعه ليد السارق اليمنى من الرسغ، فهذه سنة فعلية.
- السنة التقريرية: وهي ما أقره النبي ﷺ صراحة،أو سكت عن إنكاره بعد أن صدر أمامه، أو حدث في عصره و علم به، أو ظهر منه ما يدل على استحسانه والرضا به، ومثال ذلك أكل الضب أمام النبي ﷺ وعلى مائدته فأقرهم على ذلك، ومثل ذلك أيضاً إقراره ﷺ للصحابيين الذين تيمما ثم وجدا الماء فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر الصلاة، فقال لمن لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاته، وقال للذي أعاد: لك الأجر مرتين.
أقسام السنة من حيث السند:
أما بالنسبة إلى أقسام السنة من حيث السند : تنقسم عند جمهور أهل العلم إلى:
- السنة المتواترة: ما رواها عن رسول الله ﷺ جمع يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، ومثال ذلك السنة المروية عنه في الوضوء والصلاة والصوم والحج والزكاة والأذان والإقامة ونحو ذلك، ومن الأحاديث المتواترة عند أهل العلم حديث ابن مسعود رضي الله عنه في قول النبي ﷺ (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
- السنة المشهورة: وهي ما رواها عن الرسول ﷺ عدد لم يبلغ حد التواتر كالاثنين والثلاثة، ثم تناقله جمع التواتر الذين لا يتوهم تواطؤهم على الكذب، مثل حديث (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث (بني الإسلام على خمس)، وحديث (لا ضرر ولا ضرار).
- سنة الآحاد: وهي ما رواها عن النبي ﷺ آحاد كالواحد والاثنين أو جمع لا يبلغ حد التواتر، وأكثر الأحاديث آحاد ويسمى خبر الواحد.
دلالة السنة على الأحكام :لا تخلو من واحدة من حالات أربع:
- أن تكون السنة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة: ومعنى قطعية الثبوت أن تكون رواية الحديث تمت بالنقل المتواتر، ومثال ذلك ما نقل عن النبي ﷺ من أعداد الركعات و عدد الصلوات ومقادير الديات والزكاة وأشباه ذلك، وألحق المحققون العلماء بذلك أيضاً أخبار المسح على الخفين، وخبر تحريم المتعة بعد الإباحة، وخبر نكاح تحريم المرأة على عمتها وعلى خالتها، وخبر لا وصية لوارث، ونحو ذلك من الأخبار التي تلقتها الأمة بالقبول .
- أن تكون السنة قطعية الثبوت ظنية الدلالة: ومعنى ظنية الدلالة هنا أي أن لفظها يحتمل معنيين فأكثر، ويجب العمل به بواسطة مرجح شرعي أو لغوي.
- أن تكون السنة ظنية الثبوت قطعية الدلالة: وهذا يكثر في أحاديث الآحاد التي قد لا نقطع بصحتها عن رسول الله ﷺ لكن دلالتها قطعي، ومثال ذلك ما رواه أبو داود والنسائي مثلاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال:”لا يرث القاتل شيئاً”، فهذا الحديث صريح في دلالته وأن القاتل ليس له شيئ من الميراث، لكنه من حيث ثبوته ظني بسبب أن أهل الحديث كالدار قطني قد أعلوه و ضعفوه، وحينئذ يعمل بهذا النوع من السنة إذا توبع وصدق بدليل آخر يدل عليه، أو أن يصح سنده من طريق آخر .
- أن تكون السنة ظنية الثبوت ظنية الدلالة: وهذا النوع هو أقل أنواع السنة حجة، وهو لا يعمل به إلا إذا وجد مرجح يدعمه ويسنده، ومثال ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول:”لا طلاق ولا عتاق في إغلاق”، فالحديث مختلف في تصحيحه، ثم إن معناه مختلف فيه بسبب الاختلاف في معنى كلمة إغلاق.
دور الاجتهاد في حل قضايا المسلمين:
قسم العلماء مراتب الاجتهاد في الأحكام الشرعية إلى قسمين:
- إجتهاد مطلق: في جميع الاحكام الشرعية من أولها إلى أخرها.
- اجتهاد مقيد: وهو اجتهاد في حكم دون حكم، وفي المسائل التي لا نص فيها، وما يقتدر به على استنباط بعض الاحكام والمسائل التي تتجدد من حين لاخر، وهي ما سماه الفقهاء الاحناف بالنوازل، وذلك لان كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعى هو محل الاجتهاد، فلا يجوز الاجتهاد فيما ثبت بدليل قطعي كوجوب الصلوات الخمس والزكوات وباقي أركان الإسلام.
- اجتهاد الرسول ﷺ: إتفق العلماء على مصادر التشريع في عهد النبوة تشمل اجتهاده ﷺ في شئون الدنيا وفي العبادات وفي الأقضية وفصل الخصومات وفي أمور الحرب، ومما ورد في السنة ما يلي: [3]
اجتهاده ﷺ في شئون الدنيا:
أمره ﷺ بترك تأبير النخل: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يأبرون النخل (أي يلقحون أعذاق إناث النخل بطلع ذكورها)، فقال عليه السلام: “ما تصنعون؟” فقالوا شيئا كنا نصنعه في الجاهلية، فقال: “لعلكم لو لم تصنعوه لكان خيرا”، فتركوه، فلم تثمر النخل، فذكر له ذلك، فقال: “إذا أخبرتكم بشيء من أمر دينكم فإنما هو بوحي، وإذا أخبرتكم بشيء من أمر دنياكم فإنما أنا بشر، وأنتم أعلم بأمور دنياكم“[4]
اجتهاده ﷺ في العبادات:
- ساق ﷺ الهدي في حجه ونوى القران بدليل أنه قال للصحابة: ” لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى ولحللت مع الناس حين حلوا“[5]
- استغفاره لبعض المنافقين وصلاته على بعضهم: نزل قول الله سبحانه في شأن استغفاره للمنافقين: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [6]، كما نزل قوله تعالى في شأن صلاته على ابن سلول: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [7]
- كما نزل قوله تعالى في شأن استغفاره ﷺ لعمه أبي طالب: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [8].
اجتهاده ﷺ في أمور الحرب:
أولًا: إرادته ﷺ النزول دون ماء بدر: إذ أراد ﷺ النزول في مكانٍ لا ماء فيه، حتى قال له الحباب بن المنذر رضي الله عنه: إن كان هذا بوحيٍ فنِعم، وإن كان الرأي والمكيدة فأنزل بالناس على الماء لتحول بينه وبين العدو.
فقال ﷺ: “ليس بِوحيٍ إنما هو رأيٌ رأيتُهُ”، فرجع ﷺ إلى قول الحباب رضي الله عنه وأخذ به.
ثانيًا: اجتهاده ﷺ في أسرى بدر:
فقد شاور ﷺ الصحابة فيما يُصنع بأسرى بدر؛ فأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه بأخذ الفدية منهم، وأشار عليه عمر رضي الله عنه بضرب رقابهم. فمال الرسول ﷺ في اجتهاده إلى رأي أبي بكر رضي الله عنه، فنزل قول الله سبحانه وتعالى معاتبًا نبيَّه ﷺ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [9]،
ثالثًا: إذنه ﷺ للمنافقين في غزوة تبوك:
وهم الذين جاءوا يستأذنونه ﷺ في التخلف عن الجهاد من غير علة، فأذن لهم، فعاتبه الله تعالى بقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}[10]، أي: حتى تعرف من له العذر في تخلفه ومن لا عذر له، فيكون الإذن عن علم، ويتمّيز الصادق من الكاذب المتخلف نفاقًا وشكًا في دين الله.
رابعاً: اجتهاده ﷺ في غزوة الخندق:
في غزوة الخندق، أراد النبي ﷺ أن يُعطي نصف ثمار نخيل المدينة لقبيلة غطفان، على أن ينصرفوا عن قتال المسلمين، ولا يشاركوا قريشًا في حربهم، وذلك بقصد كسر شوكة الأحزاب وتفريق جمعهم.
فلما بلغ ذلك سعدَ بنَ عبادة رضي الله عنه، رئيسَ الخزرج، وسعدَ بنَ معاذ رضي الله عنه، رئيسَ الأوس، قالا: يا رسول الله، أهذا وحيٌ من الله أم رأيٌ رأيتَه؟ فقال ﷺ: «بل رأيٌ رأيتُه». فقالا رضي الله عنهما: لا، وحقك لا نعطيهم نصف ثمرة. فأجابهم رسول الله ﷺ إلى ما رأيا، وترك ما كان قد همّ به.
تدلّ هذه الأمثلة جميعها على أن النبي ﷺ قد اجتهد بالفعل في بعض الوقائع. وبذلك يتميّز اجتهاد النبي ﷺ عن اجتهاد غيره من العلماء والمحققين والفقهاء؛ لأن اجتهادهم يحتمل الخطأ، ولا تصويب لهم ولا إقرار، بخلاف النبي ﷺ الذي يأتيه الإقرار من عند الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات، فإن:
- اجتهد فأخطأ: أنزل الله سبحانه وتعالى الوحي بتصويب هذا الخطأ.
- وإن اجتهد فأصاب: أقرّه الله سبحانه وتعالى على اجتهاده.
أمثلة من اجتهاد الصحابة في زمن النبي ﷺ
يُعد اجتهاد الصحابة في عهد النبوة من الركائز الأساسية في بناء الفقه الإسلامي، إذ نُقلت إليهم روح التشريع ومناهج الاستنباط تحت إشراف النبي ﷺ وإقراره، سواء بحضوره أو في غيبته، مما أسهم في تكوين جيل قادر على التعامل مع النوازل وفق أصول شرعية راسخة.
1. اجتهاد سعد بن معاذ في حكم بني قريظة
عندما اشتد الحصار على يهود بني قريظة ونزلوا على حكم رسول الله ﷺ، أبدت قبيلة الأوس رغبتها في الإحسان إليهم لكونهم حلفاءها، كما سبق أن أحسن النبي ﷺ إلى موالي الخزرج من يهود بني قينقاع. فأراد النبي ﷺ تهدئة النفوس، وقال للأوس: “ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟”
فاستدعى سعد بن معاذ رضي الله عنه، الذي اجتهد فحكم بقتل الرجال، وتقسيم الأموال، وسبي النساء والذراري. فأقرّه رسول الله ﷺ بقوله: “لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات“[11].، وكان هذا المثال شاهدًا واضحًا على مشروعية الاجتهاد وإقرار النبي له.
2. اجتهاد عمرو بن العاص في التيمم
في غزوة ذات السلاسل، أصابت عمرو بن العاص رضي الله عنه جنابة في ليلة شديدة البرودة، فخشِي على نفسه الهلاك إن اغتسل بالماء، فتيمم وصلّى بالناس. فلما ذُكر ذلك للنبي ﷺ قال له: “يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنُب؟”
فأجابه عمرو مستدلًا بقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [12] فضحك النبي ﷺ وأقره، ولم يعنّفه، مما دل على اعتبار الاجتهاد القائم على فهم النص ومقاصده.[13].
3. اجتهاد علي بن أبي طالب في قضية الزُبية
قضى علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حادثة باليمن، حيث سقط أربعة أشخاص في حفرة أُعدّت لاصطياد أسد، فجرحهم الأسد فماتوا، فقضى بتوزيع الدية على قبائل من حفروا الزبية بنسب متفاوتة، مراعيًا درجات المسؤولية.
وحين عُرض الحكم على النبي ﷺ، أقرّه، مما دل على صحة اجتهاده وعدالة حكمه. وهو ما يعرف في الفقه بـ«العاقلة»، فلو وقع الناس في قضية ولم يستدل على الفاعل الحقيقي تتضافر قبيلتهم أو مجموعتهم لدفع الدية. [13].
4. معاذ بن جبل والقضاء في اليمن
لما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل قاضيًا إلى اليمن، سأله: “بمَ تقضي؟”
فقال: “أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد اجتهدت رأيي”.
فقال النبي ﷺ: “الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى”، وهو أصل عظيم في منهج الاجتهاد. [14].
5. الاختلاف في الاجتهاد والقبول به:
لما رجع النبي ﷺ من غزوة الأحزاب قال لأصحابه: لا يُصَلِّينَّ أحدٌ صلاةَ العصر إلا في بني قريظة،[15]. وهم من يهود المدينة، وقد غدروا لما جاء المشركون للمدينة وتفاجؤوا بالخندق، فوقفوا مع المشركين ظنًّا منهم أنهم سينتصرون على المسلمين، وفي الطريق حضرت صلاة العصر.
- فقال فريق من الصحابة: لا نصلي العصر حتى نصل إلى بني قريظة؛ لأنه ظاهر النهي النبوي،
- وقال فريق أخر : بل نصلي؛ لأن مفهوم قوله ﷺ السرعة في الذهاب إلى بني قريظة، وعدم الانتظار، ولم يرد حقيقة عدم صلاتهم،
- فلما أخبروه لم يُعنِّفِ النبيُّ ﷺ احد من الفريقين؛ لأن المسألة محتملة للقولين معا. وهو دليل على سعة الاجتهاد المشروع وتنوع الفهم.
رابعًا: اجتهاد الصحابة في الشأن العام
- خالد بن الوليد رضي الله عنه تولّى قيادة الجيش في غزوة مؤتة دون انتظار أمر مباشر حين قُتل القادة، حفاظًا على مصلحة المسلمين، فأقره النبي ﷺ.
- أبو بكر الصديق رضي الله عنه قضى للجدة بالسدس بعد الاستشارة، ووافقه النبي ﷺ، مما يدل على العمل بالاجتهاد الجماعي.
خامسًا: الجهد العلمي للفقهاء وتطور المدارس الفقهية
يؤكّد الإمام محمد الغزالي [16] أن الفقه الإسلامي قام بإنتاجه الاف الفقهاء عبر القرون، ولم يظهر إلى حيز الوجود بجهود حكومية، بل قام بإنتاجه العالم في مكتبته، والمدرس في مدرسته، والقاضي في محكمته، والمفتي في دار إفتائه، كل ذلك دون تدخل من الحكام وولاة الامر.
فالامام أبو حنيفة النعمان أنشأ مجمعاً كبيراً من العلماء والفقهاء والمحدثين وأصحاب الجرح والتعديل والمفسرين وعلماء اللغة والكلام، وقام تلامذته بعد ذلك بتدوين المذهب الحنفي الذي يمثل أحسن مثالاً للاجتهاد الجماعي في عهد التابعين وأتباع التابعين،
ولم يكن هو وزملاؤه من الفقهاء أعضاء في مجلس شكله ولى الامر، بل كان بعضهم موضع اضطهاد من قبل ولاة الامر، كما حدث للامام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرأن،
وقد حدّد الإمام الغزالي في كتابه المستصفى [17] الشروط اللازمة للمجتهد، ومنها:
- أن يكون عالما بمواضع الاحكام الواردة في القرأن الكريم وهو مقدار خمسمائة أية.
- لا بد من معرفة الاحاديث التي تتعلق بالاحكام، وهي إن كانت زائدة على الألوف فهي محصورة.
- ينبغي أن تتميز عنده مواقع الاجماع حتى لا يفتي بخلاف الاجماع.
- معرفة نصب الأدلة من الكتاب والسنة والاجماع والعقل، وشروطها التي بها تصير البراهين.
- معرفة اللغة والنحو على وجه يتيسر له فهم خطاب العرب والكتاب والسنة.
- معرفة الناسخ والمنسوخ وعلم الرواية لمعرفة درجات الحديث.
خاتمة المقال
وفي الختام، يتبيّن لنا أن مصادر التشريع في عهد النبوة قد قامت على أسس ثابتة محكمة، في مقدمتها الوحي الإلهي المتمثل في القرآن الكريم، ثم السنة النبوية قولًا وفعلًا وتقريرًا، كما يظهر بوضوح اعتماد النبي ﷺ على الاجتهاد في بعض الوقائع التي لم يرد فيها نص، مع خضوع هذا الاجتهاد لتصويب الوحي إن وقع فيه خطأ، أو إقراره إن وافق الحق.
وقد شكّل هذا المنهج التشريعي المتكامل الأساس الذي بنى عليه الصحابة رضوان الله عليهم والفقهاء من بعدهم مدارس الفقه وأصول الاستنباط، مما يدل على مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، واتساقها بين النص والاجتهاد، وبين الثبات والتجديد، في إطار من الهداية الربانية والعصمة النبوية.
المصــــــــــــــــادر:
[1] ) النحل:89)
[2] ) الانعام: 38)
[3] )مجلة البحوث الإسلامية: العدد السابع والعشرون – الإصدار: من ربيع الأول إلى جمادى الثانية لسنة 1410هـ)
[4] ) صحيح مسلم عن أنس بن مالك من رواية عن عائشة رضي الله عنها – وتفسير ذلك لعل رسول الله ﷺ قد ظن أن عملهم هذا ليس مبنيا على أساس علمي ولا تجريبي، فقال: لعلكم لو لم تصنعوه لكان خيرا، فظنوا أن هذا توجيه لهم إلى الطريق الأمثل، فتركوا التأبير، فألقت نخيلهم التي لم تؤبر براعمها قبل أن تتفتح وتستحيل بلحا، وكان لا بد أن يحدث هذا لعدم تلقيحها بطلع ذكور النخل، فأخبر الرسول عليه السلام بما حدث، فقال لمن أخبروه بذلك إن ما أتحدث عنه من أمور الدنيا فإنما أتحدث فيه برأيي ومبلغ علمي وخبرتي وتجاربي، وقد تكونون أعلم مني ببعض أمور دنياكم.)
[5] )صحيح البخاري – رقم الحديث 6802 عن عائشة كما رواه مسلم وأبو داود – وذلك لأن أصحابه الذين أمرهم بالإحلال وهم الذين لم يسوقوا الهدى كرهوا أن يحلوا في أشهر الحج لأنهم لم يكونوا يعتادون الحل في وسط الإحرام في أشهر الحج فكان النبي لأجل تطبيب قلوبهم يوافقهم في الفعل فذكر انه لو استقبل من أمره ما استدبر أي لو كنت الساعة مبتدئا الإحرام لم أسق الهدى ولأحرمت بعمرة أحل منها )
[6] (التوبة:80) – [7] (التوبة:84) – [8] (التوبة:113) – [9] الانفال: 67 – [10] (التوبة: 43 )
[11] (أخرجه النسائي في ” مناقب الكبرى ” (5 / 62 – 63 / 8223) وابن سعد في ” الطبقات ” (3 / 426)
[12] (النساء: 29) – [13] (رواه أحمد وأبو داود والدارقطني)
[13]. وروى الإمام البيهقي في السنن الكبرى – [14]. سنن الترمذي
[15] صحيح البخاري عن عبد الله ابن عمر
[16] محمد الغزالي – كتاب الفساد في المجتمعات العربية والإسلامية ص 109 “
[17] المستصفى، المجلد الثاني ص 101-102 “
للحصول على مزيد من المعلومات برجاء متابعى على المنصات التالية:
الفيسبوك: https://www.facebook.com/profile.php?id=100088893776257
اليوتيوب: https://www.youtube.com/@ashrafrashad8031
التيك توك:https://www.tiktok.com/@ashraf.r1
الانستاجرام:https://www.instagram.com/ashraf.rashad.58/



