Web Analytics
الحضارة الاسلاميةتاريخ العمارة

أسرار بيت الهراوي

أسرار بيت الهراوي: قراءة معمارية في التخطيط السكني الإسلامي

 أنشئ بيت الهراوى فى عام 1731م، على يد أحمد بن يوسف الصيرفى. وينسب البيت إلى الطبيب عبد الرحمن باشا الهراوى، وهو آخر من آلت إليه ملكية هذا المنزل سنة 1881م. وتُعد دراسة أسرار بيت الهراوي مدخلًا مهمًا لفهم تطور العمارة السكنية الإسلامية في القاهرة خلال العصر المملوكي والعثماني، حيث يجمع هذا البيت بين المنهج التخطيطي الدقيق والاستجابة البيئية الواعية والقيم الاجتماعية التي شكّلت عماد المساكن الحضرية آنذاك.

ويتميّز البيت بكونه نموذجًا مكتمل العناصر للبيت القاهري التقليدي، يعتمد على الانفتاح نحو الداخل عبر فناء مركزي، ويُحكم إغلاقه تجاه الخارج ضمانًا للخصوصية، في سياق عمراني كثيف يعكس طبيعة المدينة الإسلامية. ويُعرف حالياً بـ”بيت العود العربي”

أولاً: أسرار بيت الهراوي في تخطيط الكتلة والواجهات

يتألف بيت الهراوي من ثلاث وحدات معمارية يتوسطها فناء مكشوف، وهو مبني من ثلاثة طوابق، وله واجهتين رئيسيتين؛ إحداهما تطل على الجهة الجنوبية الغربية وتضم المدخل الرئيسي للمنزل، بينما تطل الواجهة الأخرى على الجهة الشمالية الشرقية وتحتوي على مدخل ثانوي، وهو ما يعكس مرونة الحركة داخل البيت وتعدّد مسارات الدخول والخروج. أما الواجهتان الأخريان، فإحداهما ملاصقة لمنزل الست وسيلة، في حين تجاور الأخرى مباني حديثة، بما يعكس اندماج المنزل في نسيجه العمراني التاريخي والمتغير عبر الزمن.

ثانياً: أسرار المساقط الأفقية في بيت الهراوي

يتكوّن المنزل من طابقين رئيسيين، يرتبط تخطيطهما بتنظيم وظيفي دقيق. يُعد المسقط الأفقي مفتاح فهم أسرار بيت الهراوي، حيث يضم الطابــــــــــق الأرضي: مجموعة من الفراغات الخدمية والمعيشية، تتقدّمها الممرات وملحقاتها، مثل الطاحونة، والإسطبل، وحاصل الغلال، إضافة إلى دركاة المنزل البحرية التي تقود إلى فناء داخلي يمثل محور الحركة. كما يشتمل هذا الطابق على قاعة المقعد الصيفي وفضاءات السلاملك المخصصة للاستقبال، إلى جانب سلم الحرملك المؤدي إلى الطابق العلوي،

الطابـــــــق العلوي: يضم المندرة وقاعة الاستقبال الرئيسية التي يُوصل إليها عبر سلم خاص وممرات داخلية تحفظ الخصوصية. ويبرز في هذا المستوى بناء بارز يؤدي إلى الأدوار العلوية، وبه حجرة انتظار ذات سقف خشبي، تنفتح على الخارج عبر فتحة مكشوفة، تُسهم في تحسين الإضاءة والتهوية الطبيعية، وتكشف عن جانب من الابتكار المعماري في معالجة الفراغات الانتقالية داخل البيت. فضلًا عن غرفة السرداب التي تؤدي دورًا بيئيًا في تهوية وتبريد المنزل.

وتنتظم الفراغات حول صحن مركزي يمثّل القلب البيئي والاجتماعي للمنزل. ويتجلّى ذكاء التخطيط في عدة مستويات:

  • المدخل المنكسر: يبدأ المسقط بممر غير مباشر يمنع الرؤية الفورية إلى الداخل، ويؤسس لتدرّج مكاني ينتقل فيه الزائر من الفضاء العام للشارع إلى الفضاء شبه العام للصحن، ثم إلى المناطق الخاصة.
  • التسلسل الهرمي للفراغات: يتوزع المسكن من العام إلى الخاص بوضوح؛ حيث يشغل السلاملك مناطق قريبة من المدخل، بينما يقع الحرملك في عمق المسقط، بما يحقق أقصى درجات الخصوصية دون تعطيل الحركة.
  • خصوصية النساء: يحتوي البيت على حجرة انتظار علوية ذات سقف خشبي كانت مخصصة للضيوف النساء، لتجنب دخولهن المباشر على صاحب البيت، مما يبرز احترام الخصوصية.
  • التكامل بين الأفقي والرأسي: ترتبط الدورات المختلفة للمبنى بسلالم داخلية خفية نسبيًا، تضمن فصل حركة الضيوف عن حركة أهل البيت، وهو أحد أدق أسرار بيت الهراوي في إدارة الاستخدام اليومي.

ويكشف هذا التخطيط عن فهم عميق للعلاقة بين الوظيفة والفراغ، حيث لا يُترك أي عنصر معماري دون دور محدد يخدم النظام العام للبيت.

ثالثا: الصحن… القلب البيئي والاجتماعي

يمثّل الصحن الداخلي أحد أبرز أسرار بيت الهراوي، فهو ليس مجرد فضاء مفتوح، بل عنصر محوري يجمع بين وظائف متعددة:

  • وظيفة بيئية: يتيح الصحن توزيع الضوء الطبيعي على الغرف والإيوانات دون تعرّض مباشر لأشعة الشمس، فيخلق إضاءة منتشرة ومريحة. كما يعمل على تحريك الهواء داخل البيت عبر فروق الضغط الحراري.
  • وظيفة اجتماعية: يشكّل الصحن مساحة جامعة للأنشطة اليومية، ويربط بصريًا ووظيفيًا بين مختلف الفراغات، مما يعزز الترابط الأسري.
  • وظيفة تنظيمية: من خلال الصحن، يُعاد توجيه الحركة داخل البيت، فتبدو المسارات واضحة ومنطقية، رغم تعقيد التخطيط.

ويُبرز الصحن هنا فلسفة العمارة الإسلامية في جعل الداخل مساحة حياة مفتوحة وآمنة، بعيدًا عن صخب الشارع الخارجي.

رابعا: الإيوانات بوصفها فضاءات انتقالية

تُعد الإيوانات من العناصر المميّزة في أسرار بيت الهراوي، حيث تطل مباشرة على الصحن، وتؤدي دورًا مزدوجًا بين الداخل والخارج. وتتميّز الإيوانات بما يلي:

  • عمقها النسبي الذي يوفّر الظل والبرودة في فصل الصيف.
  • مرونتها الوظيفية، إذ تُستخدم للجلوس أو استقبال الزائرين أو ممارسة الأنشطة اليومية.
  • دورها البصري في تأطير الصحن وتعزيز الإحساس بالمحور المركزي للبيت.
  • نقوش السقف: توجد عبارة منقوشة تشير إلى أن الذي أنشأ المكان هو “الحاج أحمد بن يوسف الصيرفي” عام 1144 هجرية (1731 ميلادية).

ومن خلال الإيوانات، يتحقق الانتقال التدريجي بين الغرف المغلقة والفضاء المفتوح، في انسجام تام مع المناخ المحلي.

خامساً: المشربيات… هندسة الخصوصية والبيئة

تكشف المشربيات عن أحد أدق أسرار بيت الهراوي، حيث تجمع بين الجمال الوظيفي والحلول البيئية. فقد صُممت المشربيات للتحكم في:

  • الإضاءة عبر كسر حدة الضوء المباشر وتوزيعه بنعومة داخل الفراغات.
  • التهوية من خلال فتحات محسوبة تسمح بمرور الهواء دون الإخلال بالراحة الحرارية.
  • الخصوصية البصرية، إذ تتيح رؤية الخارج دون السماح بالعكس، بما يتماشى مع القيم الاجتماعية السائدة.

وتغدو المشربيات بذلك عنصرًا معماريًا يعبّر عن اندماج الفن بالحياة اليومية، ويؤكد وعي المعمار بمتطلبات المستخدم.

سادساً: النافورة الخفية: 

  •  ويضم بيت الهراوي مقعداً صيفياً، ومندرة (قاعة استقبال الضيوف من الرجال – السلاملك) ويتوسط المندرة فسقية مياه رخامية ثمانية الأضلاع، مزودة بقطع الفسيفساء كما يحليها فانوس يرتفع 14 متراً عن سطح الأرض، ويحيط بها إيوانان يتكونان من فسحتين مرتفعتين قليلاً، ليتمكن رب البيت من الوقوف متوسطاً ضيوفه. ولا يقتصر دور النافورة على الزينة فقط، بل كان صوت مياهها المرتفع يُستخدم كطريقة غير تقليدية للتشويش على أحاديث الضيوف ومنع التجسس، بالإضافة إلى وظيفتها في تبريد الهواء صيفاً.

الخاتمة

تُبرز دراسة أسرار بيت الهراوي أن العمارة السكنية الإسلامية ليست مجرد تشكيل جمالي، بل منظومة متكاملة تجمع بين التخطيط الذكي، والاستجابة المناخية، والتنظيم الاجتماعي. فقد شكّلت المساقط الأفقية إطارًا لتحقيق الخصوصية والانسيابية الوظيفية، بينما عمل الصحن والإيوانات والمشربيات بتناغم لتوفير بيئة معيشية متوازنة ومريحة.

ويمثّل بيت الهراوي شاهدًا حيًا على عبقرية العمارة الإسلامية في القاهرة، ودليلًا على قدرتها على إنتاج حلول معمارية مستدامة لا تزال تلهم الفكر المعماري المعاصر، وتؤكد أن فهم التراث هو خطوة أساسية نحو بناء مستقبل معماري أكثر إنسانية.

👌 إذا أعجبتكم الرحلة، وعرفتم بعضاً من أسرار بيت الهراوي، تابعوا حلقتنا الماضية عن أسرار منزل زينب خاتون، لاكتشاف أسرار تصميم آخر جمع ببراعة بين الجمال والوظيفة والروحانية.

📌 المراجع:

  • حسن عبد الوهاب: العمارة الإسلامية في مصر.
  • سامي علي: البيت العربي التقليدي.
  • موقع وزارة السياحة والآثار المصرية.
  • هيئة الاثار المصرية – مركز إحياء تراث العمارة الاسلامية
  • أرشيف مركز دراسات القاهرة التاريخية.

للحصول على مزيد من المعلومات برجاء متابعى على المنصات التالية:

الفيسبوكhttps://www.facebook.com/profile.php?id=100088893776257

اليوتيوب: https://www.youtube.com/@ashrafrashad8031

التيك توك:https://www.tiktok.com/@ashraf.r1

الانستاجرام:https://www.instagram.com/a

م. أشرف رشاد

هنا يمكنكم الاطلاع على فنــــــــــــون العمارة المختلفة ولان العمارة هي ام الفنون فسنلقي الضوء على المبادئ الأساسية للهندسة المعمارية مثل: تاريـــــــــــــــــخ وطرز العمارة عبر العصور المختلفة، وأهم النظريات والمدارس المعمارية، وكذلك التصميم المعماري عبر تحليل الأفكار المعمارية للمشاريع المختلفة، وأعمال الديكورات الداخلية والتشطيبات، نسأل الله أن ينفع بهذا العمل ويكون خالصاً لوجهه الكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى