غياث الدين الكاشي
غياث الدين الكاشي: عبقري الرياضيات الإسلامية ومبتكر الحسابات الدقيقة في القرن التاسع الهجري
المقدمة
يُعدّ غياث الدين جمشيد بن مسعود الكاشي (1380–1429م) أحد أبرز علماء الرياضيات في التاريخ الإسلامي، وركيزة أساسية في تطوير الحساب الفلكي وعلم الأرقام في القرن التاسع الهجري. تميز بدقته العالية في الحسابات، وابتكاراته في الكسور العشرية، وتطويره لطُرق رياضية أصبحت أساسًا للطرق الحديثة. عاش الكاشي عصرًا سياسيًا مضطربًا، لكنه وجد في رعاية الدولة التيمورية، وخاصة السلطان أولوغ بيك، بيئة علمية خصبة ساهمت في إبداعه. يهدف هذا المقال إلى دراسة شخصية الكاشي من خلال تتبع أساتذته، ومن تأثروا به، ومنهجه العلمي، وإسهاماته الرياضية، إضافة إلى ظروف عصره وشهادات العلماء الغربيين عنه.
أولًا: أساتذة غياث الدين الكاشي الذين تأثر بهم
لم تذكر المصادر أسماء أساتذة محددين للكاشي، لكن يمكن رصد مؤثرات علمية واضحة شكلت منهجه:
1) التراث الرياضي الإسلامي
تأثر الكاشي بعدد من أعلام الرياضيات المسلمين، ومن أبرزهم:
- ابن الهيثم في الهندسة والتحليل الرياضي.
- نصير الدين الطوسي في علم المثلثات والفلك.
- الخوارزمي في الحساب والجبر.
لقد ساهم هذا التراث في تكوين خلفية قوية جعلت الكاشي يقف على أكتاف عمالقة العلم.
2) علماء مراصد الدولة الإلخانية
تربى الكاشي في بيئة مهتمة بالفلك، وقد كانت أعمال علماء مرصد “مراغة” أساسًا لتكوين مفاهيمه الفلكية.
ثانيًا: العلماء الذين تأثروا بالكاشي
امتد تأثير الكاشي ليشمل علماء كثرًا في العالم الإسلامي وأوروبا لاحقًا:
1) أولوغ بيك
السلطان العالم الذي تتلمذ الكاشي في مرصده بسمرقند، وتعلم منه الكثير من قواعد الحساب الدقيقة.
2) علي القوشجي
تأثر بكتاباته في الفلك والرياضيات، وكان امتدادًا لمدرسة سمرقند العلمية التي أسسها الكاشي.
3) علماء النهضة الأوروبية
وصلت بعض مخطوطات الكاشي إلى أوروبا عبر الترجمة، وأثرت في:
- علماء الحساب العشري
- مطوري جداول المثلثات
- رواد الأرقام العشرية الحديثة
إضافة إلى تأثيره غير المباشر عبر المدرسة الإسلامية في الأندلس.
ثالثًا: المنهج العلمي لغياث الدين الكاشي
تميز الكاشي بمنهج رياضي صارم وابتكاري، يعتمد على:
1) الدقة الحسابية العالية
كان شغوفًا بالحسابات الدقيقة، وابتكر وسائل للاقتراب من الجذور وحساب النسب العددية.
2) الربط بين الجبر والحساب العشري
يُعدّ من أوائل من استخدم الكسور العشرية بصورة منهجية، قبل انتشارها في أوروبا بقرون.
3) التجريب الرياضي المتكرر
اعتمد على التكرار الحسابي (Iteration)، وهو مبدأ يقارب الحسابات العددية الحديثة.
4) المنهج التحليلي التطبيقي
استفاد من الرياضيات في:
- الفلك
- المساحة
- الحساب التجاري
- قياس الزوايا
رابعًا: إسهامات غياث الدين الكاشي في الرياضيات
ترك الكاشي بصمات كبيرة في مجالات عديدة، أهمها:
1) الكسور العشرية
يُعد الكاشي أول من استخدم النظام العشري بوضوح ودقة، مما جعله يُلقّب بـ “أبو الكسور العشرية“.
2) حساب النسبة التقريبية π
حسب قيمة π بدقة مذهلة وصلت لـ 16 رقمًا عشريًا، باستعمال مضلع ذي
3×2283 \times 2^{28}3×228
ضلعًا، متفوقًا على جميع العلماء قبله.
3) قانون حساب الجذور
وضع طريقة لحساب الجذر التكعيبي وربما سبق بطريقة نيوتن–رافسون.
4) الوتريات وعلم المثلثات
قدم جداول مثلثية بالغة الدقة استُخدمت في الفلك والرياضيات لاحقًا.
5) الحسابات الفلكية
- بناء نماذج لحركة الشمس والقمر
- تطوير جداول فلكية استخدمها مرصد سمرقند
خامسًا: الكتب التي ألّفها الكاشي
خلّف الكاشي عددًا من أعظم مؤلفات الرياضيات:
- كتاب مفتاح الحساب
أهم كتبه، وفيه قدّم الكسور العشرية وطرق الحساب الهندسي. - رسالة الوتر والجيب
وهي أساس مهم في علم المثلثات. - الرسالة الكاملية
في الفلك والحسابات الدقيقة. - كتاب حساب المحيطات
وفيه حساب قيمة π. - رسالة الجيب والتمام والجذر
في المثلثات والفلك.
سادسًا: الأحوال السياسية المعاصرة له
عاش الكاشي في عصر يمزج بين الاضطراب السياسي والنهضة العلمية:
1) نهاية الدولة الإلخانية
شهدت المنطقة حروبًا وصراعات، مما دفع العلماء للبحث عن مظلة سياسية مستقرة.
2) الدولة التيمورية
ازدهرت العلوم في عهد تيمورلنك وخلفائه، وخاصة:
- شاهرخ
- أولوغ بيك
الذي أسس مرصد سمرقند، وأصبحت المدينة مركزًا عالميًا للرياضيات والفلك، وفيه قام الكاشي بأهم أعماله.
سابعًا: شهادات علماء الغرب بفضل غياث الدين الكاشي
نال الكاشي تقديرًا كبيرًا لدى مؤرخي الرياضيات، ومن أهم اعترافاتهم:
1) كاجوري (Cajori)
قال عنه:
“كان الكاشي واحدًا من أعظم الحاسبين في العصور الوسطى، وابتكاراته وضعت أساس الحساب العشري الحديث.”
2) إدوارد كينيدي (Edward Kennedy)
كتب:
“لو قُدّر لكتب الكاشي أن تُترجم في وقت مبكر، لتغير تاريخ الرياضيات الأوروبية.”
3) سارتون
وصفه بأنه:
“أحد أعظم الرياضيين المسلمين الذين جمعوا بين الجبر والفلك بدقة غير مسبوقة.”
الخاتمة
ختامًا، يمكن القول إن غياث الدين الكاشي عبقري رياضي فريد في تاريخ الحضارة الإسلامية، جمع بين الابتكار الرياضي الدقيق والتطبيق الفلكي العملي. ترك بصمات واضحة في الحساب العشري والمثلثات والجذور، وقدم مساهمات سبقت عصره بقرون. كما كانت مؤلفاته أساسًا مهمًا في انتقال الرياضيات الشرقية إلى أوروبا. واليوم يُنظر إليه كأحد المؤسسين الحقيقيين للرياضيات الحديثة.



