أسس بناء المجتمع الإسلامي
المقدمة
يمثل النظام الاجتماعي الذي أرسي دعائمه رسول الله ﷺ أحد أعظم النظم التي عرفها التاريخ الإنساني، حيث وضع رسول الله ﷺ أسسًا راسخة لبناء مجتمع يقوم على العدل، والمساواة، والتكافل، بعيدًا عن العصبيات الجاهلية القائمة على العرق أو اللون أو القبيلة. وقد تجلّى هذا النظام بوضوح منذ اللحظات الأولى لقيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، ليكون نموذجًا عمليًا لمجتمع إنساني متماسك، قادر على استيعاب التنوع وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
ويهدف هذا المقال إلى إبراز ملامح النظام الاجتماعي الذي أرسي دعائمه رسول الله ﷺ، مع التركيز على أهم ركائزه وتطبيقاته العملية في حياة المجتمع المسلم.
أولًا: معيار جديد لقيام المجتمعات في الإسلام
أرسى رسول الله ﷺ مبدأً أسس بناء المجتمع الإسلامي، ويتمثل في إلغاء كل صور التمييز القائمة على الجنس أو اللون أو النسب، وربط التفاضل بين الناس بالتقوى والعمل الصالح فقط. وقد عبّر النبي ﷺ عن ذلك بوضوح في خطبة الوداع حين قال:
يا أيها الناس: إن ربكم واحد، و إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي و لا عجمي على عربي، و لا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، “إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: فيبلغ الشاهد الغائب] [1]،
وبذلك تذوب العصبية للجنس، أو القبيلة، أو اللون؛ وقد قال ﷺ لما هاجت العصبية للقبيلة بين المهاجرين والأنصار: [ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فأنها منتنه] [2].
معيار العقيدة الإسلامية: وبذلك وضع رسول الله معيارا جديدا لقيام المجتمعات، ألا وهو معيار العقيدة الإسلامية، وهو معيار شامل يصلح لكل زمان ومكان، فالمطلوب من المسلم في حياته أن يقيم الدين والدنيا لله سبحانه وتعالى.
لان المجتمعات التي تقوم على أساس العرق، أو اللون، أو القبيلة، يكون أساس المجتمع قد قام من أجل فئة معينة، ولا يصلح إنضمام أحد إليها، فتعيش في شقاء ولا يكتب لها البقاء، لانه ليس لأحد قدرة على إختيار عرقه، أو لونه، أو قبيلته، بينما النظام الاجتماعي في الإسلام شامل لكل جوانب حياة الفرد والأسرة والجماعة والأمة. ويتمثل في الامور التالية:
ثانيًا: تحقيق التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم
جعل الإسلام التكافل الاجتماعي ركيزة أساسية في بناء المجتمع، حيث ضمن حقوق الأفراد، ودعا إلى الإحسان، والتراحم، وجبر الخواطر، وربط بين أفراد المجتمع بروابط الأخوة الإيمانية.
وقد شبّه رسول الله ﷺ المجتمع المسلم بالجسد الواحد، فقال: [مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى][3].
حرص على أن تقوم العلاقةُ بين أعضاء المجتمع المسلم على أساس الأخوة الإيمانية، فأصل الناس واحدًا، كلكم لادم وادم من تراب والمؤمنين إخوة في الدين؛ قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }[4]،
قال رسول الله ﷺ: [المسلم أخو المسلم، لا يَظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربةً، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما، ستره الله يوم القيامة] [5].
حرص رسول الله على أن يقيم بين أتباعه وسائر الناس الوانا من جسور التواصل وقنوات اللقاء فى صور مشروعة يسودها الحب والمودة، ومن ذلك قوله ﷺ: [حق المسلم على المسلم ست إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه] [6]. كما حث النبي ﷺ على صور متعددة من التواصل الاجتماعي، مثل:
ثالثًا: صور التكافل الاجتماعي في الإسلام
تنوعت مظاهر التكافل في النظام الاجتماعي الإسلامي بين الواجب والمستحب، ومن أبرزها:
- عيادة المريض: فقال:[ من عاد مريضا أو زار أخا له في اللَّهِ ناداه منادٍ : أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا] [7]
- رعاية الجـــــــــــار: وإظهار المودة له ووعد رسول الله ﷺ على ذلك بالأجر العظيم فقال : [من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان». قيل: وما القيراطان؟ قال :« مثل الجبلين العظيمين] [8].
- كفالة الأرامل والمساكين: ومن ذلك قول رسول الله: [الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل، الصائم النهار][9]،
- التكافل بين الجماعات والشعوب والأمم فق قوله ﷺ: [من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والاخرة، ومن ستر مسلماًـ ستره الله في الدنيا والاخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه،……].[10]
والتكافل في النظام الاجتماعي والاقتصادي في الإسلام منه ما هو فرض وواجب ومنه ما هو مستحب، ومظاهر التكافل الاجتماعي في الإسلام كثيرة لا يتسع المجال هنا لتفصيلها ولكن من ذلك ركن الإسلام الثالث الزكاة ومصارفها الثمانية والنفقة الواجبة للوالدين والزوجة والأبناء وحق ذوي القربى ورعاية
الجار وإكرام الضيف، قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[11]
رابعًا: تطبيقات عملية للنظام الاجتماعي بعد الهجرة
تجلت صور التلاحم بين أعضاء المجتمع المسلم مع هجرة المهاجرين من مكة للمدينة، حيث تصدى رسول الله لبعض المشاكل الاجتماعية، بالنظر السديد، والعقل الراجح، ولم يكن يسمح لاحد بأن يظل عاطلاً أو عالة على غيره، و كان رسول الله يكره الكسول والمتراخي، ويبغض التسول وقد عاتب رسول الله نفراً من أهل الصفة لانهم ركنوا إلى الراحة، وكان بعضهم يسعوا لرزقهم، والامثلة التي تجلي عظمة النظام الاجتماعي الذي أرسي دعائمه رسول الله كثيرة منها:
أ– توفير السكن للمهاجرين
آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والانصار، وأمر المهاجرين أن ينزلو ضيوف على بيوت الانصار بقباء كمرحلة أولى، ومن هذه البيوتات:
- دار أسعد بن زرارة، من بني النجار نزل بها حمزة بن عبد المطلب.
- دار بني النجار، لاوس بن ثابت بن المنذر نزل بها عثمان بن عفان وزوجتة رقية بنت رسول الله.
- دار سعد بن خيثمة: وكان يسمى بيت العزاب، ونزل بها العزاب من المهاجرين، وغيرها من الدور.
- كما أمر رسول الله ﷺ بضرب الخيام في أنحاء المدينة، وتشجيع المهاجرين على بناء مساكن جديدة ودعا بالبركة لمن باع عقارا وداراً وجعل ثمنها في مثلها، وأنشا بيت الغرباء.
وخصص رسول الله ﷺ للمهاجرين الارض التي تبني عليها مساكنها، وكان كبار الصحابة القريبون من الرسول يرشدون الناس إلى طريقة إنشاء الدور، فيقوم الناس ببناء الدور بأيديهم، ويدبروا أمر طعامهم فيزرعوا قطعة الارض ويربوا شياهاً وأعنازاً، فإذا سكنوا بأطراف المدينة اتخذوا الجمال والخيل، وكانت تقدم لهم المعونة في ذلك حتى يستقروا.
ب– توفير الطعام للمهاجرين
حرص النبي ﷺ على تحقيق الأمن الغذائي للمهاجرين من خلال:
- حث الأنصار على الاستضافة.
- النهي عن ادخار لحوم الأضاحي أكثر من ثلاث ليالٍ وأن يتصدق بالباقي.
- تشجيع المهاجرين على العمل والتجارة فقال: “يرحم الله رجلا كفانا قدمه” مما جعلهم يسعون للتجارة والبيع.
- توجيه أصحاب النخيل للتصدق من ثمارهم للمهاجرين.
وبذلك أرسى رسول الله ﷺ أسس بناء المجتمع الإسلامي في نظامًا اجتماعيًا وأمنيًا متوازنًا، رغم اختلاف الطبائع بين الوافدين وسكان المدينة.
خامسًا: ترسيخ القيم الإنسانية ونبذ الجاهلية
عمل رسول الله ﷺ على تطهير النفوس من بقايا الجاهلية، ومثال ذلك عندما لقي المعرور بن سويد أبا ذر بِالربذة، وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسأله عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي النبي ﷺ: [ يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وَلْيُلْبِسْهُ مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم][12]
وهو تأكيد على كرامة الإنسان ووجوب العدل والإحسان، مهما كان موقعه الاجتماعي.
✨ الخاتمة
لقد وضع رسول الله ﷺ أسس بناء المجتمع الإسلامي وحجر الأساس لأعظم نظام اجتماعي عرفته الإنسانية، يقوم على الإيمان والتقوى، المساواة، والتكافل، والعمل، والرحمة، بعيدًا عن العصبيات والصراعات الطبقية. ويغرس الأخوة، ويؤسس للتكافل، ويذيب العصبيات، ويوفر الأمن الاجتماعي والسكن والطعام لكل محتاج. ولم يكن هذا النظام مجرد مبادئ نظرية، بل واقعًا عمليًا طُبق في المدينة المنورة، فأنتج مجتمعًا قويًا ومستقرًا، ما زال صالحًا لأن يكون مرجعًا حضاريًا وإنسانيًا لكل المجتمعات المعاصرة الباحثة عن العدالة والسلام الاجتماعي.
ومن خلال هذا النظام الاجتماعي المتكامل، استطاع النبي ﷺ تحويل مجتمع المدينة إلى قوة موحدة، شكّلت نواة الدولة الإسلامية التي ستنطلق منها حضارة عظيمة تغيّر مجرى التاريخ. موعدنا في اللقاء القادم مع: حفظ الضروريات الخمس في الإسلام فانتظرونا.
المراجع:
[1] (الألباني في السلسلة الصحيحة 3700 بسندٍ صحيحٍ عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه.)
[2] (أخرجه البخاري (4905) ومسلم (2584) عن جابر بن عبد اللَّهِ رضي اللَّهُ عنهما).
[3] (مسلم: 2586 عن النعمان بن بشير)
[4] (الحجرات: 11) [5] (متفق عليه) [6] (رواه مسلم عن أبي هريرة)
[7] (الترمذي (2008) حسنه الألباني في صحيح الترمذي)
[8] (روى البخاري (1325) ومسلم (945) عن أبي هريرة)
[9] (متفق عليه، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)
[10] (أخرجة مسلم، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – في الصحيح)
[11] (التوبة: 103)
[12] (أخرجه البخاري من حديث أبي ذر (30)، (2545) في “الأدب المفرد” (189)، ومسلم (1661) (40)، وأحمد (21432)، من طرق عن شعبة، عن واصل الأحدب، عن المعرور بن سويد)
للحصول على مزيد من المعلومات برجاء متابعى على المنصات التالية:
الفيسبوك: https://www.facebook.com/profile.php?id=100088893776257
اليوتيوب: https://www.youtube.com/@ashrafrashad8031
التيك توك:https://www.tiktok.com/@ashraf.r1
الانستاجرام:https://www.instagram.com/ashraf.rashad.58/
