الجانب الاداري في عصر النبوة:
لم يكن عصر النبوة مجرد مرحلة دعوية أو روحية فحسب، بل شكّل نموذجًا متكاملًا لبناء دولة قائمة على أسس إدارية وتنظيمية واضحة. فقد أرسى النبي محمد ﷺ قواعد الإدارة الرشيدة التي نظّمت شؤون المجتمع، وضبطت العلاقات بين أفراده، وحققت التوازن بين متطلبات الدين وإدارة شؤون الحياة اليومية.
لقد تجلّى الجانب الإداري في عصر النبوة في التخطيط، وتوزيع المهام، وإرساء مبادئ العدل والشورى، وإدارة الموارد البشرية والاقتصادية بأسلوب يسبق كثيرًا من النظريات الإدارية الحديثة. ومن هنا، تبرز أهمية دراسة الإدارة في عصر النبوة باعتبارها تجربة إنسانية رائدة أسهمت في بناء مجتمع منظم ودولة مستقرة خلال فترة زمنية قصيرة.
أولاً: الحضارة الإسلامية و التاريخ الحضاري في عصر الرسول ﷺ:
- الحضارة الإسلامية: حضارة باقية بقاء الحياة على وجه الأرض، تستمد بقاءها من الإسلام الذي قامت على أساس مبادئه، إنها حضارة إيمانية، إنبثقت من العقيدة الإسلامية، فاستوعبت مضامينَها وتشرّبت مبادئها واصطبغت بصبغتها، فهي حضارةٌ توحيديةٌ انطلقت من الإيمان باللَّه الواحد الأحد، البارئ المصوِّر، مبدع السماوات والأرض، الأول والآخر، الباطن والظاهر، خالق الإنسان والمخلوقات جميعاً. هي حضارةٌ من صنع البشر فعلاً، ولكنها ذات منطلقات إيمانية ومرجعية دينية، كان الدين الحنيف من أقوى الدوافع إلى قيامها وإبداعها وازدهارها.
- واستطاعت الحضارة الإسلامية إقامة علاقة سوية في التصور والسلوك مع الله، ومع البشر، ومع البيئة المحيطة بما فيها من كائنات حية بل وجمادات. ولقد اهتم الاسلام بالعلم والتعلم الذي يشمل كل متطلبات الإنسان الروحية والعقلية والبدنية، فالحضارة الإسلامية ليست جامدة متحجرة، بل ترعى كل فكرة أو وسيلة تساعد على النهوض بالبشر، وتيسر لهم أمور حياتهم، ما دامت تلك الوسيلة لا تخالف قواعد الإسلام وأسسه التي قام عليها، فهي حضارة ذات أسس ثابتة، مع مرونة توافق طبيعة كل عصر، من حيث تنفيذ هذه الأسس بما يحقق النفع للناس.
- ولا شك أن الإسلام دين شامل لكل نواحي الحياه، وظهرت هذه الشمولية واضحة جليَّة بعد الهجرة النبوية للمدينة المنورة، حيث بدأ رسول الله في تأسيس الدولة الاسلامية الجديدة، بتشكيل أول كيان إسلامي في المدينة المنورة التي بدأت تنمو وتتوسع بدخول الأفراد والقبائل في الإسلام، وإستطاع رسول الله رغم كل المعوقات تأسيس مجتمع رباني قوي، وكان العمل يتطور ويتنامى ويتكامل كما البناء الشامخ يزداد علواً وكمالاً وجمالاً وشموخاً.
- وكان ﷺ يباشر كل مهام رئيس الدولة، وفي غضون السنوات العشر التي اقامها في المدينة أحدث تغيير شامل على المستوى الديني والاجتماعي والسياسي والجهادي والاقتصادي والفكري والحضاري، وإكتملت لدولته كل مقومات الدولة وأجهزتها ومؤسساتها الدفاعية والامنية والادارية والاعلامية. [1]
- فكيف إستطاع رسول الله ﷺ في هذة المدة اليسيرة من عمر الزمن إقامة ذلك المجتمع ولمعرفة ذلك فسوف نسلط الضوء على النظم التي أقامها رسول الله في الدولة الاسلامية الوليدة بالمدينة المنورة، ونوضح دور الرسول في تأسيس كل منها وتأصيله.
ثانياً: نناقش في الفصل الاول: الجانب الاداري في عصر النبوة:
يمكن أن نلمح أولى مراحل هذا التنظيم الاداري منذ بيعة العقبة الثانية، عندما إختار رسول الله r منهم اثني عشر رجلا لهم مكانة إجتماعية مميزة في قومهم؛ ليكونوا نقباء عليهم حتى يهاجر إليهم. وكان هذا أول تنظيم إداري عملي حدد النبي فية مسئولية هؤلاء النقباء، ووضع لهم نظاماً خاصاً في الاتصال والحركة.
وقال لهم: ” أنتم كفلاء على قومكم“، ليحافظوا على إنضباط قومهم وإلتزامهم بمبادئ الدين الجديد، ويكونوا مسؤولين أمامه مسئولية مباشرة، ووصل هذا النظام إلى درجة دقيقة من الدقة وإتباع التسلسل الهرمي في توزيع المسئوليات، بحيث جعل النبي أسعد بن زرارة نقيباً للنقباء، وقام هؤولاء النقباء بدورهم في التمهيد وتهيئة المجال لنجاح الدعوة الاسلامية الجديدة بالمدينة المنورة.
لا شك أن رسول الله كان على جانب كبير من الذكاء والعبقرية السياسية مما جعله يحلل ملكات أصحابه، ويقدر مواهبهم ويعرف مدى ملاءمة كل منهم للقيام بعمل معين، فكان يقول: ” أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان بن عفان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الامة أبو عبيدة بن الجراح” [2]
أرسل في غزوة مؤتة قائد وخليفة للقائد الأول وخليفة للثاني، ثم وضع الخطة فيما يكون بعد ذلك لو أصيبوا، بأن يختار المسلمون رجلاً رابعاً، وكان ذلك أمره كله يتخير للقيادة من يمتاز بصفة من الصفات، فأبو بكر في إمارة موسم الحج اصبر الناس، وأفسحهم صدراً على تحمل مشاق السفر، وعثمان في سفارة مكة أقرب الناس إلى نفوس قريش وأقدرهم على التفاهم معهم، والعباس في مناداته على المسلمين الفارين من نبال حنين اجهر الناس صوتاً.
كان للرسول الرئاسة العامة في امور الدين والدنيا، وسلطاتة الادارية تشمل الدولة كلها فيما يتعلق بتحديد الاهداف ورسم السياسات العامة للدولة الاسلامية، وفي إطار الخطة التي وضعها رسول الله للنظام الاداري الذي يناط به تنفيذ السياسات العليا لتحقيق أهداف الدولة كما يتصورها رسول الله ﷺ في شتى المجالات، ففي المدينة عاصمة الدولة أشرف النبي على إداراتها اشرافا مباشراً، وكانت المناطق القريبة من المدينة تابعة إدارياً للرسول…
وكان النبي يعين نائبا له على إدارة المدينة في حال خروجه للجهاد أو الحج، وكانت مكة وحدة إدارية وتأتي في أهميتها بعد العاصمة، ولا سيما انها تشتمل على المشاعر المقدسة، وبعد الفتح عين عليها النبي “عتاب ابن اسيد”، كما كلف مجموعة من الاداريين الأكفاء المشهود لهم بالمهارة وحسن التصرف في ميادين الحكم والاقتصاد وغيرها من مناشط الحياه المختلفة. للقيام بهذة الاعباء، ويمكن أن نتلمس البذور الاولى لكثير من المؤسسات التي ستتفرع فيما بعد، وفيما يلي نوضح أدوات الإدارة الرئيسة وهي:
- التخطيط: وهو عملية فكرية تعتمد على المنطق والترتيب والتقدير والمرونة وإيجاد البدائل، ومن شواهده في القرآن قوله تعالى: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ}[3]، وبهذا التوجيه القرآني الذي هدى الله إليه يوسف u، فإن المسلم مُلزَم بالتخطيط المستقبلي لتفادي الأزمات التي قد تحيط بالأمة، ومن الأحاديث الدالَّة على التخطيط والعمل قوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص وقد بلغ به من الوجعِ، وكان ذو مال، ولا يرثه إلا ابنة، فقال سعد: [أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير..إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس… ] [4] وأيضًا قوله للأعرابي الذي ترك ناقته عند باب المسجد دون أن يعقلها: [اعقلها وتوكل]، وفي هذا الحديث إشارة للإداري المسلم بأن يربط التوكل على الله بالاحتياط والتخطيط الذي لا يتنافى مع التوكل، ولا مع القضاء والقدر.
- التنظيم: هو بيان وتحديد الهيكل الذي تنتظم فيه علاقات السلطة والمسؤولية وهو كيان حي متحرك ولابد من إعداده ليتلاءم دائمًا مع المتغيرات الداخلية والخارجية، وهو ما جاء به الإسلام قال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}[5]، وهذا غاية في التنظيم، فهو تنظيم الكون والحياة بأجمعها. ونجد في قدوم النبى ﷺ أولى خطوات التنظيم وهي المؤاخاة حيث قال: [تآخوا في الله أخوين أخوين] فآخى بين المهاجرين والأنصار ليكونوا نواةً لتنظيم المجتمع.
- التوجيه: توجيه الناس وهدايتهم مع إيجاد روح الود والحب والرضى فيما بينهم، ولقد اعتنى الإسلام بالتوجيه وأولاه رعاية خاصة لشحذ الهمم، فمن ذلك قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ }[6]، وهذا توجيه أعلى للقائد والحاكم، وكذلك قوله تعالى: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ} [7]، وهذا توجيه عام للمحكومين والعامة.
- الرقابة: بعد التطبيق الكامل يأتي دور التأكد من أن تنفيذ الأهداف المطلوب تحقيقها في العملية الإدارية تسير سيرًا صحيحًا حسب الخطة والتنظيم والتوجيه، واتخاذ الإجراءات التصحيحية لعلاج الانحرافات، قال تعالى: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } وقال: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} ومن السنة النبوية حديث جبريل عليه السلام: [.. فأخبرني عن الإحسان؟ فقال ﷺ: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك… ]، وهذا من أعظم أنواع الرقابة الذاتية، وهنا يتفاضل الناس ليس فقط بمقدار ما يحملونه من (علوم) الإدارة، بل أيضًا بمقدار ما يُجيدونه من (فنونها) وأساليب تطبيقه.
ومن أهم الاشكال الادارية في عهده ﷺ:
الوزارة: كانت الشورى قاعدة حكم النبي ﷺ وقد أطلقت بعض المصادر على أولئك الذين إستشارهم النبي بشكل كبير إسم الوزراء، فقد قال الحاكم: كان أبو بكر الصديق من النبي بمنزلة الوزير فكان يشاورة في جميع أمورة، ونجد رواية أخرى عند الترمذي تقول: قال رسول الله ﷺ: [ ما من نبي إلا وله وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الارض، أما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الارض فأبو بكر وعمر][8]،
وكان أبو بكر يفوض من قبل النبي في تصريف شئون الدولة وتلبية حاجات المواطنين، فقد أتت امرأة إلى النبي فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك – كأنها تقول الموت – قال: [ إن لم تجديني فأت أبا بكر ][9]، وقال ﷺ: [ إن من أمن الناس عليَّ في صحبته وماله: أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي، لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوَّة الإسلام ومودته، لا تبقين في المسجد باب سدَّ إلا باب أبي بكر][10]
وكان هناك مجموعة من الوظائف الادارية المرتبطة برئيس الدولة منها: [11]
أمين السر: إرتبطت بالادارة العليا للدولة ممثلة في رسول الله، وتشير المصادر أن هذة الوظيفة كانت طيله فترة الرسالة مع حذيفة بن اليمان فقد كان صاحب سر رسول الله لثقته به وعلو منزلته عنده، ومن هنا إنفرد حذيفة بمعرفة كثير من الاسرار التي لم يعلمها غيرة خاصة معرفة أسماء المنافقين وأخبارهم، ومعرفة أخبار الفتن التي تقع بين المسلمين.
الشعراء والخطباء: وظيفة إدارية ذات طبيعة إعلامية، وكانوا يشكلون بشعرهم حرباً إعلامية شديدة التأثير في بيئة قبلية، إحتل الشعراء والادباء فيها مكانة خاصة، وكان من أشهر هؤلاء الشعراء حسان بن ثابت، وكان النبي يشجعة لما يشعر به من أهمية دورة في إبراز محاسن الاسلام، ومن ذلك قوله r لحسان: “أهجوهم وروح القدس معك“[12]، وكان لشعر عبد الله بن رواحه تأثير كبير في تحفيز المجاهدين في المعارك، وكان ثابت بن قيس يقوم بمهمة الخطابة وكانت الكلمات تخرج من فمه قوية، صادعة جامعة رائعة، ففي عام الوفود أذن له الرسول بأن يجيب على خطيب وفد بني تميم.
الولاة على المدن والبلدان:
كان رسول الله الحاكم العام للمدينة، ولكنه كثيراً ما كان يخرج على رأس الجيوش لتأمين حدود الدولة وصد الاعداء، وأثناء ذلك لم يكن يترك المدينة دون حاكم، بل كان ينيب عنه من يحكمها بأسمه ليتولى تنظيم شئونها اليومية كأن يؤم المسلمين في الصلاة، ويقضي بينهم في الخصومات، ويكون على أهبة الاستعداد للدفاع عن المدينة ضد أي حادث طارئ، كعبد الله بن أم مكتوم وقد إستعملة النبي 13 مرة[13]، و سعد بن عبادة وسباع بن عرفطة وغيرهم،
وأصبحت هذة القاعدة الادارية هي السائدة في الامارة على المدن والبلدان التي فتحت في عهد رسول الله ﷺ، وكانت مكة وحدة إدارية، وتأتي في أهميتها بعد المدينة العاصمة التي بها مركز الحكم، لا سيما وأنها تشتمل على المشاعر المقدسة التي يحج إليها المسلمون كل عام، وقد أسند حكم مكة إلى عتاب بن أسيد، وفرض له مرتباً، فباشر مهام عملة وحج بالمسلمين في السنة التاسعة للهجرة، فكان أول أمير للحج في الاسلام.
- وكانت الطائف بعد إسلامها عام 9 هـ – وحدة إدارية وأسند إداراتها إلى عثمان بن ابي العاص (ت 42 هـ) وكان من أحدثهم سناً، وذلك لانة كان حريصاً على تعلم القرأن والتفقة في الدين، ويشير ابن إسحاق أن النبي قد زود عثمان بتعليمات إدارية فقال له: [ يا عثمان تجاوز في الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة][14]
- وأرسل النبي العلاء ابن الحضرمي (ت 14هـ) إلى المنذر بن ساوي يدعوة للاسلام فأسلم وحسن إسلامه، فأبقاه النبي على إدارة البحرين وقال له: [ إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته، أو مجوسيته فعليه الجزية][15]
- وجعل صرد بن عبد الله الازدي أميراً على من أسلم من قومه، ثم كلفه بمجاهدة من يليه من المشركين في اليمن، وهكذا كان رسول الله يحعل أمير أو شيخ كل قبيلة حاكماً عليها، بعد إعلان إسلامها وإنضمامها إلى الدولة الاسلامية في العام التاسع الهجري (عام الوفود)، كما يتضح في إمارات البحرين والاحساء وقبائل كندة وعبد القيس وهمدان وغيرهم.
- أمر عبد الله بن جحش الا يكرة أحداً على المضي معه في سريته، وبذلك يتبين للقائد مدى قوة أيمان الاتباع وطاعتهم.
- أمر رسول الله ﷺ في السنة الاولى من الهجرة بإحصاء المسلمين في المدينة رجالاً وأطفالاً ذكراناً وإناثاً فقد قال ﷺ : [اكتبوا لي من تلفظ بالاسلام من الناس” فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل][16].
- الكتاب (نواة ديوان الرسائل):
كان ﷺ يستعين بأحد اليهود من بني النضير، ويكلفة بكتابة الرسائل التي يرغب في إرسالها لاي شخص أو قبيلة، وترجمة الرسائل التي ترد بلغات غريبة كعبرية والسريانية.
وبالرغم من أن هذا اليهودي كان مصدر ثقة، ولم يعرف أنه خان الثقة، إلا أن الرسول في رؤيتة الامنية السياسية، في وقت ما رأى أن هذا اليهودي قد يتعاطف مع بني قومه، ويغدر بالرسول فيما يكتبه أو يترجمة من رسائل، فأعد البديل ليتعلم السريانية والعبرية ويكون هو كاتم السر.
تعلم اللغات الاجنبية: دعى النبي الصحابي زيد بن ثابت فقال له: [إنه تأتيني كتب من أناس لا أحب أن يقرأهن كل واحد فهل تستطيع أن تتعلم السريانية؟ قال زيد : نعم فتعلمها في سبعة عشر يوماً] [17]
وكانت الحاجة ملحة لضرورة كتابة القرأن فور نزولة حتى يتمكن الصحابة من حفظه، ولذلك أهتم رسول الله بأختيار مجموعة من الصحابة كانوا يتقنون الكتابة وبدأو في تدوين القرأن الكريم ومن أشهرهم: علي بن أبي طالب و عثمان بن عفان و أبي بن كعب و زيد بن ثابت، ولكن عندما بدأت الدولة تتعدد مصالحها وتحتاج إلى تخصيص عدد من الكتاب يتولى كل منهم أمر معين، كثر عدد الكتاب حتى وصل عددهم إلى ثلاثة وعشرون كاتباً في أكثر من مجال منهم:
وقد شكل هؤلاء الكتاب النواة الاولى لديوان الرسائل لانهم كانوا يقومون بشتى الاعمال التي يقوم بها هذا الديوان.
جامعو الضرائب والصدقات (عمال الخراج) في عصر النبوة
اقتضت طبيعة النظام الاقتصادي في الإسلام وجود جهاز إداري مختص يتولى تحصيل الأموال الشرعية المفروضة على الأفراد والجماعات، مثل الزكاة والصدقات والجزية، مع حفظها وتوزيعها على مستحقيها وفق الضوابط الشرعية، ثم توريد نصيب الدولة منها.
ومن هنا برز دور عمال الصدقات والخراج باعتبارهم أحد الأعمدة الأساسية للإدارة المالية في الدولة الإسلامية الناشئة.
اختيار العمال وتوزيعهم على الأقاليم
حرص رسول الله ﷺ على إرسال عماله وأمرائه إلى مختلف الأقاليم التي دخلت في الإسلام، فوزّع المهام بدقة تعكس وعيًا إداريًا وتنظيميًا متقدمًا، ومن ذلك:
- بعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى صنعاء.
- بعث زياد بن لبيد الأنصاري إلى حضرموت.
- بعث عدي بن حاتم على صدقات طيّء وأسد.
- بعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة.
- قسّم صدقات بني سعد بين رجلين منهم:
- الزبرقان بن بدر على ناحية.
- قيس بن عاصم على الناحية الأخرى.
- بعث العلاء بن الحضرمي على البحرين.
- بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أهل نجران لجمع صدقاتهم وتحصيل الجزية.
معايير الاختيار: الأمانة والدقة والنزاهة
لم يكن اختيار هؤلاء العمال عشوائيًا، بل اعتمد النبي ﷺ على معايير صارمة، في مقدمتها:
- الأمانة
- الدقة في التقدير
- الزهد في المال
- العفة عن قبول الهدايا والرشاوى
ويبرز ذلك جليًا في موقف عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، الذي كان مكلفًا بتقدير نصيب الدولة من ثمار يهود خيبر. فقد حاولوا استمالته بالرشوة، لكنه رفض رفضًا قاطعًا وقال قولته المشهورة التي تجسد قمة النزاهة والعدل، مما جعلهم يعترفون بعظمة هذا المنهج قائلين: “بهذا قامت السماوات والأرض، وبهذا غلبتمونا.”[18]
التوجيه النبوي لعمال الصدقات
كان رسول الله ﷺ يدرك خطورة هذا المنصب وأثره المباشر في حياة الناس، فكان يوصي عماله بالعدل والرحمة، ومن أبرز تلك الوصايا وصيته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين أرسله إلى اليمن، حيث رسم له منهجًا متكاملًا يجمع بين الدعوة والتنظيم المالي والعدالة الاجتماعية، مع التحذير الشديد من الظلم وأكل أموال الناس بغير حق.
وكانت وصيته لمعاذ بن جبل حينما أرسله إلى اليمن تجمع هذة المعاني إذ جاء فيها: [إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذ جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب]. [19]
المحاسبة والرقابة الإدارية
لم يكتفِ النبي ﷺ بحسن الاختيار، بل أرسى مبدأ المحاسبة والرقابة على العمال والولاة، فكان:
- يراجع مصادر أموالهم.
- يستجيب لشكاوى الرعية.
- يعزل من يثبت تقصيره أو تجاوزه.
ومن ذلك عزله العلاء بن الحضرمي عن البحرين استجابة لشكوى وفد عبد القيس، وتوليته أبان بن سعيد بدلًا منه.
كما أنكر ﷺ بشدة على ابن اللتبية حينما قبل الهدايا أثناء عمله، وألقى خطبته الشهيرة التي وضّحت مبدأ الفصل التام بين المال العام والمصلحة الشخصية، مؤكدًا أن كل تجاوز سيحاسَب عليه صاحبه يوم القيامة.
فقام رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قَالَ: [أما بعد، فإني أستعمل الرَّجُل منكم على العمل مما ولاّني الله فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه، حتى تأتيه هديته، إن كان صادقاً؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفنَّ أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رُغاء، أو بقرة لها خُوار أو شاة تَيعَر ثم رفع يديه حتى رُئي بياض إبطيـه يقول:اللّهم هل بلغت ؟][20]
دلالة هذا النظام الإداري
إن هذا النموذج يعكس بوضوح أن الإدارة المالية في عصر النبوة لم تكن مجرد تحصيل أموال، بل منظومة أخلاقية متكاملة تقوم على:
- العدل
- الشفافية
- الرقابة
- حماية المال العام
- وصيانة كرامة المجتمع.
🔹 خاتمة المقال
أن نجاح الدولة الإسلامية في الجانب الإداري في عصر النبوة الأولى لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة منهج إداري متكامل يجمع بين القيم الأخلاقية والكفاءة العملية. فقد استطاع النبي ﷺ أن يضع نموذجًا فريدًا للإدارة يقوم على العدل، وتحمل المسؤولية، واحترام الإنسان، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية.
إن استلهام هذا النموذج الإداري اليوم لا يعني نقله حرفيًا، بل فهم مبادئه وتطبيق روحه في إدارة المؤسسات والمجتمعات المعاصرة، بما يحقق التنمية، والاستقرار، والعدالة الاجتماعية. وبهذا يظل الجانب الإداري في عصر النبوة مصدر إلهام متجدد لكل من يسعى إلى إدارة ناجحة تقوم على القيم قبل النظم.
المصادر:
[1] (تاريخ العرب والاسلام د. عبد المحسن طه رمضان، ص 167 إلى 189)
[2] (صحيح الجامع – الصفحة أو الرقم: 868)
[3] ) يوسف 47-48)
[4] حديث صحيح، متفق عليه)
[5] ) الزخرف: 23)
[6] ) آل عمران: 159)
[7] ) البقرة: 237)
[8] (صحيح الترمذي – ج13 – الصفحة 142 قال هذا حديث حسن صحيح)
[9] (صحيح البخاري – ج5 – الصفحة: 5 – عن جبير بن مطعم رضي الله عنه عن أبيه)
[10] (صحيح البخاري – عن ابن عباس رضي الله عنهما)
[11] (الادارة في عصر الرسول – د. حافظ أحمد عجاج – ص: 95 – 100)
[12] (صحيح البخاري – (ج1 – ص123 ) ، (ج4 ، ص 136)
[13] (يذكر بن سعد في الطبقات – ج2 ، ص: 36،39 – في غزوة الابواء، بواط، ذي العشيرة، السويق، بدر، غطفان، أحد، حمراء الاسد، ذات الرقاع، بني النضير، الغابة،…… وغيرها)
[14] (سيرة ابن هشام – م2 – ص 541)
[15] (طبقات ابن سعد – جـ 1 ص 236)
[16] (أخرجة البخاري في الجهاد والسيرة، باب 181، حديث 3060، ومسلم حديث 149)
[17] (أخرجة الترمذي، حديث 2715، وابن حبان في صحيحه 12/84، والبيهقي 6/211)
[18] (ابن هشام والبلاذري – فتوح البلدان)
[19] (رواه البخاري ومسلم وأهل السنن)
[20] (رواه البُخَارِيّ في صَحِيْحه، باب: احتيال العامل ليهدى له. (6/2559) واللفظ له)
للحصول على مزيد من المعلومات برجاء متابعى على المنصات التالية:
الفيسبوك: https://www.facebook.com/profile.php?id=100088893776257
اليوتيوب: https://www.youtube.com/@ashrafrashad8031
التيك توك:https://www.tiktok.com/@ashraf.r1
الانستاجرام:https://www.instagram.com/ashraf.rashad.58/
