زها حديد معمارية أبهرت العالم
زها حديد معمارية أبهرت العالم:
تُعدّ زها حديد إحدى أبرز الشخصيات المعمارية في تاريخ القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. فقد أعادت تعريف معنى العمارة بوصفها لغة تُصارع الجمود الهندسي وتفتح آفاقًا جديدة للفكر العمراني. لقد استطاعت، من خلال رؤيتها التجريبية الجريئة، أن تفرض حضورها في المجال العالمي رغم التحديات الثقافية والمهنية، لتستحق عن جدارة لقب “ملكة المنحنيات”. تشير دراسات حديثة إلى أن أعمالها أسهمت في صياغة مفهوم جديد للفراغ والكتلة والانسيابية المعمارية، وهو ما جعلها محورًا للبحث الأكاديمي والنقد المعماري في السنوات الأخيرة.
أولًا: جذور فكرها المعماري ومسارها الاحترافي:

نشأت زها حديد في بيئة ثقافية غنية في بغداد، وُلدت في بغداد عام 1950م، وهي ابنة السياسي الليبرالي والاقتصادي المعروف وزير المالية العراقي الأسبق محمد حديد، الذي اشتهر بتسيير اقتصاد العراق إبان بداية الحقبة الجمهورية (1958 ـ 1963)،
انهت المرحلة الثانوية ببغداد، ثم حصلت على بكالوريوس العمارة في الجامعة الأمريكية في بيروت 1971م، ثم التحقت بالدراسة في بريطانيا وتخرجت عام 1977م من الجمعية المعمارية بلندن.
لعب السفر والاطلاع المبكر على العمارة العالمية دورًا محوريًا في تكوين رؤيتها. وقد واجهت، تحديات مهنية كبيرة خلال مراحل تكوينها المعماري، لكنها استطاعت تحويل النقد إلى قوة دفع نحو الابتكار
ثانياً: رسالتها في تدريس العمارة:
في البداية تدربت في مدرسة التجمع المعماري في لندن، ثم عملت في مؤسسة أوما (OMA) للعمارة “مكتب عمارة الميتروبوليتان”، وذلك خلال فترة عملها كمعيدة في كلية العمارة 1987م، تتلمذت على يد المعماري ريم كولهاس، ثم انفصلت عنه لتشقّ طريقها الخاص، وانتظمت كأستاذة زائرة في عدة جامعات في دول أوروبا وأمريكا مثل: جامعة هارفرد وشيكاغو وهامبورغ وأوهايو وكولومبيا ونيويورك.
ثالثاً: الفلسفة التصميمية – بين التفكيكية والبارامتريكية:
عمارة زها حديد تجاوزت التفكيكية التقليدية نحو البارامتريكية؛ أسلوبها يعتمد على الخوارزميات، التكرارات الرقمية، وتشكيل فراغات انسيابية تُحاكي الحركة. وقد واجهت تحديات كبيرة في التنفيذ، لكنّها لعبت دورًا محوريًا في إطلاق مفهوم “العمارة البارامتريكية”. وكانت تؤمن بأن العمارة تجربة حسية تحفّز الخيال وتؤثر في جودة الحياة. ومن هنا جاءت رغبتها في تجاوز النمطية عبر كسر القواعد المألوفة وتطوير فضاءات ديناميكية غير ثابتة.
رابعاً: اضطهاد عروبتها:
ومما يُلفت الانتباه أنّ المعمارية العراقية زها حديد، رغم مكانتها العالمية وجنسيتها البريطانية، لم تتمكّن من تنفيذ أي مشروع في لندن، مركز الدولة التي احتضنت مسيرتها المهنية. فقد واجهت سلسلة من العقبات التي أعاقت وصول أعمالها إلى حيز التنفيذ هناك. ويُعدّ مشروع دار أوبرا “كارديف باي” في ويلز عام 1995م أبرز الأمثلة على ذلك، إذ حُرم من التحقق رغم فوزها في مسابقة دولية تقدّم إليها نحو 270 معماريًا من أبرز مهندسي العالم.
وقد تسبّب تراجع السلطات البريطانية عن المضي في تنفيذ تصميمها في إثارة جدل واسع داخل الأوساط المعمارية الغربية، التي رأت في هذا القرار تحيزًا واضحًا ضدها بوصفها امرأة عربية مسلمة من أصول عراقية. وقد عبّرت زها حديد عن وقع ذلك الحدث على مسيرتها قائلة:
“كان أكثر الأوقات كآبة في تاريخ مكتبي حين آلت الأمور إلى ما آلت إليه في مشروع أوبرا خليج كارديف، لكننا اخترنا ألّا نستسلم للحزن، وأن نتطلّع بثبات نحو المستقبل.”
خامساً: أشهر أعمال زها حديد المعمارية التي أبهرت العالم:
تعد زها حديد من رواد المدرسة التفكيكية، ونفذت 950 مشروعًا في 44 دولة، وتميزت أعمالها بالخيال، وغلب على تصميماتها الخطوط الحرة التي لا تحددها خطوط أفقية أو رأسية، كما تميزت أيضًا بالمتانة، حيث كانت تستخدم الحديد في تصاميمها، ومن أشهر أعمالها في العالم:
- مركز حيدر عليف: وهو احد اهم المعالم من تصميم زها حديد في اسيا والتي صممته واشرفت عليه في 2012 ، ويقع في مدينة باكو باذربيجان، كما اختزلت كل خبرتها في تصميم مركز حيدر علييف ، وهو مصمم للاحتفاء بالثقافة الأذربيجانية كما يحتوي على عدة معاهد ومكاتب كما اصبح مركزاً سياحيا مهماً في أذربيجان يأتي اليه السياح. وقالت زها حديد عن المركز: هو آخر ما أنجزته، مما يجعله يختزل خبرة 30 سنة من الأبحاث كانت ثمرتها بناية مدنية ثقافية وملهمة في الوقت ذاته.
بناية تتفاعل مع المدينة وتمنح الناس مكانا يتواصلون فيه بحرية، كما تسمح للمدينة بأن تنساب بطريقة سلسة وسهلة، حيث تنساب المساحة الخارجية حول نفسها لتحديد سلسلة من الأماكن العامة بالداخل، وبذلك تُدخل النسيج المديني للعاصمة إلى كل جزء أو ركن في المركز. يمكنك اعتبار البناية منظرا طبيعيا، أو على الأصح منظرا هندسيا يلامس الأرض ويتمدد منها من دون أن يقف أي شيء في وجهه. وهناك بالداخل أماكن مترابطة من دون أي شي يعترضها، وهذه كانت الفكرة النظرية منذ البداية وجرى تنفيذها بنجاح.



2. دار أوبرا غوانزو – الصين: بعد مسابقة اجرية في الصين لتصميم مبنى دار الاوبرا، تم الاعلان عن فوز تصميم المعمارية زها حديد والمسمى “الحصاة المزدوجة”بالمسابقة، واستغرق بناء قاعة العروض الكبرى القائمة بدون أعمدة خمسة سنوات، وبلغت حجم التكلفة الإجمالية لمشروع دار الأوبرا 1.38 مليار يوان، أى ما يقارب 200 مليون دولار أمريكى.

الفكرة التصميمية لدار أوبرا غوانزو – زها حديد
تقوم الفكرة المعمارية لدار أوبرا غوانزو على رؤية شاعرية تستلهم قوى الطبيعة، حيث اعتمدت زها حديد مقاربة تقوم على تشبيه المبنى بـ”صخورٍ نحتها جريان الماء” على ضفاف نهر اللؤلؤ. هذا التشبيه لم يكن عنصرًا جماليًا فقط، بل أسّس لمنهج تصميمي كامل يدمج بين الجيولوجيا، الحركة، والانسيابية في تشكيل الفضاءات. فالمبنى يتألف من كتلتين أساسيتين—أو “صخرتين توأم”—تبدو وكأنهما جزء من تضاريس طبيعية متجانسة، يربطهما تسلسل من الساحات والممرات التي تحاكي تدفق الماء عبر الوادي. وقد ترجمة الطبيعة إلى لغة معمارية رقمية، حيث امتزجت:
- الجيولوجيا → في الكتل المتآكلة
- الهيدرولوجيا → في مسارات الحركة
- التكنولوجيا → في الواجهات البارامتريكية
- الحسّ الحضري → في التكامل مع ضفاف النهر والمدينة.
وبذلك حققت زها حديد مشروعًا لا يكتفي بكونه مسرحًا للأداء الفني، بل أصبح منظرًا طبيعيًا مصطنعًا يثري التجربة الحضرية ويعكس قدرة العمارة على تجسيد الخيال في صورة مبنى حيّ نابض بالمعنى.

تفاعل داخلي يعكس فلسفة الفضاء الديناميكي
الداخل لا يقل شاعرية عن الخارج؛ إذ تستمر لغة الانسيابية في تصميم البهو والمدرجات ومسارات الحركة. فالأسطح المنحنية، أو ما يشبه “طبقات الصخور”، تخلق تجربة مكانية تنقل الزائر من عالم المدينة الصاخب إلى فضاء مسرحي متنوع الإيقاعات. وقد تم تصميم القاعة الرئيسية بدقة صوتية عالية (1.4–1.6 ثانية) ما يعكس التكامل بين الجماليات الحسية والوظيفة الاحترافية للمبنى.

واستخدمت الكونكريت الموضوع ضمن إطار مصنوع من الجرانيت المكشوف والفولاذ المغلف بالزجاج، وعند إفتتاح المشروع في في 2005م أثنى الناقد المعماري جوناثان غلانسي في صحيفة الغارديان على التصميم الذي أطلق عليه «بأنه مسرحي للغاية وبالغ الرقة والإتقان في آن واحد» وجسدت رويتها في مزج العناصر الطبيعية في تصميم المبنى في التصميم الداخلي والخارجي كالمنحنيات التي تمثل الأنهار والوديان، واصبح من اكبر مراكز العروض الفنية في الصين.
سادساً: الجوائز التي حصلت عليها:
تمتعت زها حديد بشهرة واسعة في الأوساط المعمارية الغربية، وحصلت على جوائز وأوسمة عديدة خلال مسيرتها العملية من أهمها:
- حصلت على جائزة “بريتزيكر” المشهورة في مجال التصميم المعماري في عام 2004م، حيث تعادل في قيمتها جائزة نوبل، وأصبحت بذلك أول امرأة تفوز بها منذ بدايتها التي يرجع تاريخها لنحو 25 عاماً، كما أنها أصغر من فاز بها سناً، وكان ذلك في مارس العام الماضي، وأعلنت لجنة تحكيم الجائزة أن الطريق الذي خاضته “زها” للحصول على الاعتراف الدولي، كان “كفاحا بطوليا”.
- ونالت زها حديد جائزة متحف لندن للتصميم لعام 2014 عن تصميمها لمركز حيدر عليف.
- فازت المهندسة العراقية بأرفع جائزة نمساوية عام 2002، حيث حصلت علي جائزة الدولة النمساوية للسياحة، وأكدت لجنة التحكيم التي اختارتها لنيل هذه الجائزة، أنها تمكنت بشكل لا نظير له من إنجاز مشروع معماري على قمة جبلية جبل إيزل في منطقة “التيرول” بجنوب النمسا، حيث أتاحت تصميماتها المعمارية الاستفادة متعددة الوظائف من البناء، كمقهى وشرفة للاستطلاع السياحي ومنصة للقفز، وعدد من الوظائف الأخرى.
- حصلت عام 2012 على لقب “سيدة” وهو أرفع لقب تمنحه ملكة بريطانيا.
- بجانب حصولها على شهادات تقديرية من أساطين العمارة في العالم مثل، الياباني “كانزو تانك”.
من أقوال زها حديد:
- لا اعتقد بوجود حل ثابت ومثالي لأي مبنى مهما كانت وظيفته.
- عندما نبدأ بإعادة كتابة تعريف المبنى، تأتي النتيجة المعمارية مختلفة.
- أعمالي كانت تبدو مختلفة منذ البدايات، حيث كنت أسعى لتقديم المشاريع بوسائل غير تقليدية.
- أقضي وقتا طويلا في البحث وتطوير الفكرة التصميمية.
- طموحي دائما هو تحويل بعض المشاريع النظرية التي تبدو للوهلة الأولى مستحيلة التنفيذ الى واقع إنشائي معاش.
- قد تشترك العمارة والنحت بعامل الشكل “الفورم”، لكن العمل النحتي يفتقد الوظيفة العملية.
- العمارة تلبي وظيفة خدمية محددة، فندق مكتب أو مسكن .. الخ
توفيت حديد عام 2016م عن عمر ناهز 65 عاما إثر أزمة قلبية في إحدى المستشفيات في ميامي في الولايات المتحدة الامريكية.
يمكنكم متابعة المقال السابق عن العمارة التفكيكية التي كانت زها حديد من أهم رواد هذه المدرسة.



