Web Analytics
نشأة الكون - السيرة العطرة

أصل الكون عند الديانات السماوية

أصل الكون عند الديانات السماوية:

قراءة فكرية في سؤال الخلق والمعنى: منذ أن رفع الإنسان رأسه إلى السماء وواجه اتساع الكون وصمته المهيب، نشأ السؤال الأكبر: من أين جاء هذا الوجود؟
ليس هذا السؤال علميًا بحتًا، بل هو سؤال وجودي وفلسفي قبل أن يكون دينيًا. وقد قدّمت الديانات السماوية الثلاث – اليهودية والمسيحية والإسلام – إجابات متقاربة في جوهرها، ومختلفة في تفصيلاتها، تعكس رؤيتها للكون، وللإنسان، ولمعنى الحياة ذاتها.

الخلق: فعل إرادة وليس صدفة:

تتفق معظم الطوائف اليهودية والمسيحية والإسلام على أن الكون لم ينشأ مصادفة، بل وجود أُخرج من العدم إلى الكينونة. وأن إله واحد غير مخلوق كان مسؤولاً عن خلق هذا الكون.

هذا المفهوم – الخلق من العدم – يحمل دلالة فلسفية عميقة:
فالوجود ليس أزليًا، بل معتمد في أصله على خالق، مما يجعل الكون كيانًا ذا معنى لا مجرد حادث كوني بلا غاية.

أصل الكون عند الديانة اليهودية:

اعتبر بني إسرائيل القدماء أن الكون مكون من أرض مسطحة على شكل قرص يطفو على الماء، السماء في الاعلى، والعالم السفلي في الادنى، وقد سكن البشر الأرض في فترة الحياة، ثم سكنوا العالم السفلي بعد الممات، وبدأ اليهود في تبني الفكر اليوناني بعد مخالطتهم لهم وأعتقدوا بأن العالم السفلي سيكون مكانًا للعقاب على الأفعال السيئة، وأن المستقيمين في الحياة الدنيا سوف يتمتعون في الاخرة في السماء. وذُكروا بأن الله تعالى قد صنع العالم بستة أيام قبل أن يستريح في اليوم السابع، وفي كل يوم، كان الله يقسم بين الأشياء.

مراحل الخلق (ستة أيام):

  1. اليوم الأول: خلق النور وفصل النور عن الظلمة (قسم اليوم بين الليل والنهار).
  2. اليوم الثاني: خلق السماء.
  3. اليوم الثالث: فصل اليابسة عن المياه وخلق النبات. – ثم في الأيام الثلاثة الأخرى، قام بملء ما صنعه في الأيام الأولى.
  4. اليوم الرابع: خلق الشمس والقمر والنجوم
  5. اليوم الخامس: خلق الكائنات البحرية والطيور
  6. اليوم السادس: خلق المخلوقات الحية والبشر” [1].
  7. اليوم السابع: السبت (راحة وتقديس)

أصل الكون عند الديانة المسيحية:

منذ وقت مبكر من حياة المسيحية، تؤكد المسيحية أن الله هو خالق الكون حيث تقول: «أنا أؤمن بالله، الأب عز وجل، خالق السماء والأرض.» وفي سفر التكوين أية-1 تقول: «في البدء خلق الله السماوات والارض”، وفي العهد الجديد، يروي يوحنا قصة الخلق فيقول: «في البدء كان الكلمة وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه»[2].

البعد اللاهوتي المسيحي

  • يُنظر إلى الخلق من خلال الثالوث:
    • الآب: مصدر الخلق
    • الابن (الكلمة): أداة الخلق «في البدء كان الكلمة… وكل شيء به كان»
    • الروح القدس: واهب الحياة.

كيف نشأ الكون في الإسلام؟

الإشارات الكونية في القرآن الكريم: هناك الكثير من الآيات الكريمة التي تشير إلى مظاهر الكون وإلى بعض النواميس والقوانين والنظريات التي تحكم حركة الكون، والتي قدرها بعض الباحثين بسدس آيات القرآن الكريم، والله سبحانه وتعالى خالق العالم بأسره العلوي والسفلي والعرش والكرسي، وهو الأول أي الأزلي الذي لا بداية لوجوده، كان في الأزلِ وحده ولم يكن شيء معه من العوالم الكثيفة كالعرش والشمس والقمر والإنسان ولا من العوالم اللطيفة كالنور والظلام والأرواح، قال النبي صلى الله عليه وسلم:

[كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض]،[3] وقال أيضاً: [أولُ ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة][4]

قال تعالـــــــى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوآ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ}.[5] نزل القرآن الكريم موجها أنظار هؤلاء الجاحدين من الكفار والمشركين والوثنيين إلى طلاقة القدرة الإلهية في إبداع خلق الكون من جرم ابتدائي واحد،‏ وذلك في صيغة استفهام توبيخي،‏ استنكاري‏،‏ تقريعي، وهذه الآية الكريمة واضحة الدلالة على أن الكون الذي نحيا فيه كون مخلوق له بداية، فلقد:

  • بدأ الله تعالى خلقه من جرم ابتدائي واحد بمرحلة الرتق‏،‏ وهو القادر على كل شيء.
  • ثم أمر الله تعالى بفتق هذا الجرم الابتدائي فانفتق بمرحلة الفتق.
  • وتحول إلى غلالة من الدخان في مرحلة الدخان.
  • وخلق الله تعالى من هذا الدخان كلا من الأرض والسماء أي جميع أجرام السماء وما ينتشر بينها من مختلف صور المادة والطاقة”.

تقدير الله العجيب في الخلق، وتدبيره الدقيق في الكون: وقد أخبر النبي ﷺ صحابته الكرام عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه[6]، فهو سبحانه وتعالى الموجود الأزلي الذي لا ابتداء لوجوده، وما سواه حادث مخلوق خلقه الله بقدرته فأبرزه من العدم إلى الوجود، قال الله تبارك وتعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}[7]،

وقال سبحانه: {ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا}[8]، فله السيطرة المطلقة على السماوات والأرض . سيطرة الملكية والاستعلاء ، وسيطرة التصريف والتدبير ، وسيطرة التبديل والتغيير، إن تركيب هذا الكون يدعو إلى الدهشة، وينفي فكرة المصادفة نفيا باتا. ويظهر التقدير الدقيق الذي يعجز البشر عن تتبع مظاهره، في جانب واحد من جوانب هذا الكون الكبير .

وقال تعالـــــــى:{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}[9]، {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}.[10] أي من تعب كما أدعى اليهود.

  • يقول [ أ . كريسي موريسون ] رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك في كتابه بعنوان : الإنسان لا يقوم وحده، “ومما يدعو إلى الدهشة أن يكون تنظيم الطبيعة على هذا الشكل، بالغا هذه الدقة الفائقة. لأنه لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام، لامتص ثاني أكسيد الكربون الأوكسجين، ولما أمكن وجود حياة النبات”.  ويقول أيضاً:
  • “ولو كان الهواء أرفع كثيرا مما هو فإن بعض الشهب التي تحترق الآن بالملايين في الهواء الخارجي كانت تضرب جميع أجزاء الكرة الأرضية، وهي تسير بسرعة تترواح بين ستة أميال وأربعين ميلا في الثانية. وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق. ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض، ولكانت العاقبة مروعة. أما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة كان يمزقه إربا من مجرد حرارة مروره !” 
  • ” إن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيميائي التي يحتاج إليها الزرع، والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات، دون أن تضر بالإنسان، إلا إذا عرض نفسه لها مدة أطول من اللازم، وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور – ومعظهما سام – فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع، ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان. ويقول في فصل آخر : 
  • ” لو كان الأوكسجين بنسبة 50 في المائة مثلا أو أكثر في الهواء بدلا من 21 في المائة فإن جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال، لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لا بد أن تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر . ولو أن نسبة الأوكسجين في الهواء قد هبطت إلى 10 في المائة أو أقل، فلن تكون هناك حياة. 
  • وهكذا ينكشف للعلم البشري يوما بعد يوم ، شيء من تقدير الله العجيب في الخلق، وتدبيره الدقيق في الكون.

الإنسان: مركز القصة لا سيدها المطلق

تشترك الديانات الثلاث في وضع الإنسان في قلب قصة الخلق، لكن ليس بوصفه مالكًا مطلقًا للكون، بل كائنًا مسؤولًا:

  • في اليهودية: الإنسان طرف في عهد أخلاقي مع الله.
  • في المسيحية: الإنسان كائن ساقط يحتاج إلى خلاص.
  • في الإسلام: الإنسان خليفة، مكرّم، ومحاسَب على أفعاله.

الاختلاف هنا ليس في قيمة الإنسان، بل في تصور طبيعته ومسؤوليته.

الخطيئة والمعنى الأخلاقي للوجود

تمثل فكرة الخطيئة الأصلية أحد الفروق الجوهرية بين المسيحية والإسلام.
ففي حين ترى المسيحية أن الخلق ارتبط بسقوط الإنسان وحاجته للخلاص، يرى الإسلام أن الإنسان يولد على الفطرة، وأن الخطأ جزء من التجربة الإنسانية لا لعنة أزلية.

هذا الاختلاف ينعكس مباشرة على تصور معنى الحياة:هل الحياة رحلة خلاص؟ أم اختبار أخلاقي؟ أم التزام بعهد إلهي؟

خاتمة: أصل الكون عند الديانات السماوية

يظلّ أصل الكون في الديانات السماوية محورًا يجمع بين الإيمان العميق والبحث عن الحقيقة، حيث تؤكد اليهودية والمسيحية والإسلام أن للكون خالقًا واحدًا أوجده بقدرةٍ إلهية مطلقة وبحكمةٍ بالغة. وعلى الرغم من اختلاف التفاصيل والرموز في النصوص المقدسة، فإن الرسالة الجوهرية واحدة: الكون لم ينشأ صدفة، بل خُلق بنظامٍ دقيق وقصدٍ واضح، يعكس عظمة الخالق ووحدانيته. وهكذا، يقدّم التصور الديني للخلق إطارًا روحيًا وأخلاقيًا يساعد الإنسان على فهم مكانته في هذا الكون الفسيح ودوره في عمارة الأرض، جامعًا بين الإيمان بالغيب والتأمل في آيات الله الكونية.

نسأله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، اللهم زدنا علماً وانفعنا بما علمتنا انك انت العليم الحكيم

[1] الإصحاح الأول من سفر التكوين (من 1:1 وحتى 2:3). [2] إنجيل يوحنا 1: 1.

[3] صحيح البخاري رقم: 3191 عن عمران بن حصين [4] رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث عبادة بن الصامت

[5] الأنبياء: 30 [6] عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب عن عمر رضي الله عنه. [7] سورة الزمر الاية:62 [8]سورة الفرقان الآية: 2 [9] سورة الأنعام الآية: 1 [10] سورة ق الآية: 38

م. أشرف رشاد

هنا يمكنكم الاطلاع على فنــــــــــــون العمارة المختلفة ولان العمارة هي ام الفنون فسنلقي الضوء على المبادئ الأساسية للهندسة المعمارية مثل: تاريـــــــــــــــــخ وطرز العمارة عبر العصور المختلفة، وأهم النظريات والمدارس المعمارية، وكذلك التصميم المعماري عبر تحليل الأفكار المعمارية للمشاريع المختلفة، وأعمال الديكورات الداخلية والتشطيبات، نسأل الله أن ينفع بهذا العمل ويكون خالصاً لوجهه الكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى