المعماري برنارد خوري
المعماري برنارد خوري:
المعماري الذي صمم بيروت من رماد الحرب
في عالم العمارة، يندر أن تجد مصمماً يرتبط اسمه بهوية مدينة كاملة كما ارتبط اسم برنارد خوري بمدينة بيروت. يُلقب غالباً بـ “المعماري السيئ” أو “المتمرد”، ليس لنقص في موهبته، بل لرفضه القاطع للمسارات التقليدية والجماليات “المعلبة”. برنارد خوري ليس مجرد مصمم مبانٍ، بل هو ناقد اجتماعي ومؤرخ بصري يستخدم الإسمنت والحديد ليروي قصة مدينة ترفض النسيان وتصر على الحياة.
المعماري برنارد خوري من المعماريين الذين تبنت أعمالهم لغات عالمية متطورة، تعتمد على الأشكال غير الإقليدية، والتحليل الرقمي، وكسر الهندسة التقليدية،وحقق شهرة عالمية. يمزج بين التقنية العالية والحساسية السياسية والاجتماعية، تصاميمه غالباً ما تكون جريئة وتفكيكية للسياق البيئي والسياسي لبيروت.
المسيرة المعمارية: العودة إلى الجذور المضطربة
وُلد برنارد خوري في بيروت عام 1968، لعائلة لها باع طويل في التصميم (والده خليل خوري كان معمارياً بارزاً).
درس خوري في الجامعة الامريكية ببيروت (من 1994الى 2010)، وكلية الفنون التطبيقية في لوزان بفرنسا (2008) ثم درس في الولايات المتحدة وحصل على درجاته العلمية من مؤسسات مرموقة مثل معهد رود آيلاند للتصميم . وكلية هارفارد للدراسات العليا في التصميم.
عندما عاد إلى لبنان في التسعينيات، لم يجد مدينة تبحث عن “ناطحات سحاب زجاجية”، بل وجد مدينة تلملم جراحها بعد الحرب الأهلية. انطلقت مسيرته من مبدأ “العمارة كفعل سياسي”، حيث ركزت أعماله الأولى على الفضاءات المؤقتة والمناطق المهمشة، محاولاً تجسيد الذاكرة الجماعية اللبنانية بكل ما فيها من ندوب وصراعات.
فلسفة خوري: “عمارة الصراحة”
تتميز فلسفة خوري بعدة نقاط جوهرية:
- احتضان الندوب: لا يحاول إخفاء آثار الحرب أو الدمار، بل يدمجها في تصاميمه.
- المحلية الصارمة: يرى أن العمارة يجب أن تنبع من سياقها الجغرافي والسياسي ولا يمكن استنساخها.
- الميكانيكا والحركة: تظهر في أعماله عناصر متحركة تشبه الآلات، مما يعطي المباني طابعاً “حياً” أو صناعياً.
أهم المشاريع المعمارية
بدأ خوري مسيرته المهنية بعد فترة قصيرة من دراساته العليا في بيروت ما بعد الحرب، والتي أصبحت أرضه التجريبية حيث صمم عدة مشاريع لم تنفذ على مدار أربع سنوات (1993-1997). وخلال السنوات الأولى من ممارسته، كان مدعومًا ماليًا من قبل شركة تصنيع الأثاث في عائلته والتي زودته باستوديو للتصميم ومنحته الوصول إلى ورشة العمل ومرافق التصنيع في مصانعهم.تعتبر أعمال برنارد خوري علامات فارقة في المشهد العمراني اللبناني والعالمي، ومن أبرزها:
1. نادي للموسيقى “B018” (بيروت)
يعتبر هذا المشروع هو الذي أطلق شهرة خوري العالمية. وحاز على اهتمام الجمهور والنقاد عند الانتهاء منه في عام 1998، يقع في منطقة كانت مسرحاً لمجازر خلال الحرب. صممه خوري تحت الأرض (كالقبر)، بسقف حديدي يفتح وينغلق آلياً، ليشبه المخبأ العسكري. إنه احتفاء بالحياة في مكان يذكر بالموت.
2. مبنى “Centrale”
مطعم وكافية في بيروت، حافظ فيه خوري على هيكل المبنى القديم المليء بثقوب الرصاص، وأضاف فوقه أسطوانة حديدية عملاقة تضم الكافية، في مزج عبقري بين التراث والروح الصناعية الحديثة.
3. مشروع “N.B.K. Residence”
شقة خوري الخاصة (البنتهاوس) التي صممها فوق مبنى سكني، وتتميز بهيكل معدني معقد وأبراج إضاءة تشبه المدافع الرشاشة، مما يعكس ولعه بالجماليات العسكرية والميكانيكية.
4. مبنى “Plot # 1282”
مشروع سكني ضخم يقع في ضواحي بيروت الشمالية، يتميز بواجهاته الخرسانية الطويلة المفتوحة التي تطل على محيط صناعي، متحدياً المفاهيم التقليدية للسكن الفاخر.
5. مشروع البيت الذي كان موجودًا دائمًا: The house that always was
مشروع سكني يقع جنوب لبنان قيد الإنشاء ٢٠٢٥، تم تكليف هذا المشروع من قبل شخصية سياسية بارزة ترغب في العودة والاستقرار في منطقتها الأصلية. يقع الموقع، الذي تبلغ مساحته 15,500 متر مربع، على قمة تلة تبلغ مساحتها حوالي 282,000 متر مربع، ويطل على البحر الأبيض المتوسط، والقرية الساحلية أسفله من جهة، والتلال الخضراء للقرى المحيطة من جهة أخرى. وقد نصّ برنامج العميل على مساحة داخلية مبنية إجمالية تبلغ حوالي 7,200 متر مربع.
- يمتد طابق السرداب على مساحة حوالي 4,000 متر مربع، ويضم: مواقف سيارات، ومخازن، ومناطق فنية، وسكنًا للموظفين، وملجأً. وفي هذا الطابق، تم دمج غرفتي نوم لكبار الشخصيات بشكل أنيق في المناظر الطبيعية المتدرجة، مما يوفر الخصوصية وإمكانية الوصول المباشر إلى الحدائق.
- أما الطابق الأرضي، فهو مصمم على مستوى الموقع الطبيعي. ومن خلال استراتيجية التدرج، يتم رفع انحدار الأرض تدريجيًا حتى يصل إلى هضبة تبلغ مساحتها حوالي 10,100 متر مربع، وتستوعب المرافق العامة للمشروع. يُشكّل هذا الطابق المرتفع أساس الطابق الأرضي، كما يُمثّل حلقة الوصل بين العميل والمجتمع الذي ينوي خدمته وتمثيله.
- وفي هذا الطابق قاعة طعام فسيحة ومنطقة ترفيهية، مُصمّمتان لاستضافة التجمعات العامة، ويضمّ الطابق الأرضي أيضًا مكتب العميل، ومكتب زوجته، وصالة رياضية، ومنتجعًا صحيًا وناديًا اجتماعيًا متصلًا بمسبح خارجي كبير مُوجّه نحو الشرق.
- وتتوزّع هذه المرافق على شكل أجنحة مستقلة، تربطها ممرات خارجية مُغطّاة تُتيح إطلالات خلابة على المناظر الطبيعية. إجمالًا، تبلغ مساحة الطابق الأرضي حوالي 1400 متر مربع من المساحة الداخلية المبنية، بالإضافة إلى 2200 متر مربع من المساحات الخارجية المُغطّاة.

- أما منزل العائلة، الذي يُطلق عليه اسم “البيت الذي كان دائمًا”، فيرتفع 13 مترًا، ويشغل مساحة داخلية تبلغ حوالي 1800 متر مربع: 1600 متر مربع في الطابق الأول، و200 متر مربع في الطابق العلوي مُخصّصة للضيوف.
- من هذا الارتفاع، يتمتع المسكن بإطلالات بانورامية خلابة، فضلاً عن تعزيز الأمن والخصوصية. يستوحي تصميم المسكن من العمارة اللبنانية التقليدية، بجدرانه المبنية من الحجر الرملي، وأسقفه المائلة، وطبقاته المتدرجة التي تدمج المنزل مع محيطه على قمة التل.
كما يضم المسكن جناحًا رئيسيًا للوالدين، وثلاث غرف نوم رئيسية للأطفال، وثلاثة أجنحة للضيوف، وصالة صغيرة، ومساحات استقبال وتناول طعام واسعة مع مطبخ مفتوح متصل بغرف الموظفين والخدمات. يحيط بالمسكن تراس مفتوح على السماء بمساحة 2100 متر مربع، مع مسبح خارجي ثانٍ مواجه للغرب.
5. مبنى البنك اللبناني للتجارة، في النبطية عام 2004. و جناح «بنك بيروت» في شتورة عام 2005.
بعض أعماله في دول العالم العربي:
- سوق الفنطاس (2003)
- تنمية الأندلس (2006) في الكويت
- مشروع خليج الأرجان التجاري (2006)
- سر من رأى (Surramanraa) في 2005 في الرياض.
- الحدائق المعلقة في المنامة (2011) في البحرين.
- منتجع عجمان (2012-2013) في دولة الإمارات العربية المتحدة
6. مشروع منتجع عجمان “مانغروف ريزيدنسز” AL ZORAH MANGROVE
مشروع سكني، والمطور هو شركة الزوراء للتطوير العقاري في عجمان، بالإمارات العربية المتحدة، بمساحة إجمالية قدرها 13,400 متر مربع، ومساحة إجمالية للبناء تقارب 60,000 متر مربع.
يتألف المشروع من برجين سكنيين تم إختيار موقعهما بحيث يتيح مساحة مفتوحة في المنطقة المركزية، مما يخلق ممرًا بصريًا واسعًا يحافظ على الإطلالات المفتوحة ويوجه النظر نحو المناظر الطبيعية الخلابة لأشجار المانغروف في عجمان.
بين البرجين، يتمحور المشروع حول ساحة رئيسية، مصممة لتكون بمثابة قلب حضري مُنسق، تتوسطها منطقة واسعة تضم مسبحًا. صُممت هذه المساحة المفتوحة لتكون امتدادًا طبيعيًا للحديقة الأكبر التي يخطط المطور لإنشائها على القطعة المجاورة مباشرة، مما يعزز اندماج المشروع مع محيطه الحضري والطبيعي.
يتميز التصميم المعماري للأبراج بواجهات تتألف من وحدات نمطية، كل منها مُصممة بمزيج من الفتحات والنتوءات. يختلف حجم الفتحات وتكوينها تبعًا لوظيفة الوحدة. تُساهم العناصر البارزة في تظليل الأسطح الزجاجية، كما تُضفي حيوية على الواجهات، مانحةً المباني حضورًا جريئًا وديناميكيًا ينسجم مع محيطها الطبيعي والحضري.
- صُمم الطابق الأرضي بحيث يحتوي على أعمدة بارتفاع تسعة أمتار. وضمن هذا الإطار المرتفع، تشغل سلسلة من الأجنحة المضيئة المساحة المظللة لكل برج، وتضم مرافق مشتركة مثل ردهات الاستقبال، وصالات اللياقة البدنية، وقاعات متعددة الأغراض. تُتيح هذه الاستراتيجية مساحةً أكبر للأرضية لاستمرارية المناظر الطبيعية، كما تُعزز الشعور بالانسيابية في جميع أنحاء الموقع.

- على حافة الماء، تقع 10 منازل تاون هاوس، كل منها مكون من غرفتي نوم، على طول حدود أشجار المانغروف. يضم كل مسكن من هذه المساكن الفاخرة حديقة خاصة ومسبحًا، مما يوفر نمط حياة متناغمًا مع الطبيعة المحيطة. واستكمالًا لهذا التصميم، يحتوي الطابقان السفليان على صف من الشقق المكونة من غرفة نوم واحدة أو غرفتين، والمطلة على أشجار المانغروف والمرسى، مما يعزز ارتباط المشروع بالواجهة البحرية.
- يرتفع البرجان بشكلٍ متميز، لكنهما يتناغمان في الوقت نفسه. يتألف البرج “أ” من 18 طابقًا، بتصميمٍ ذي واجهةٍ واحدةٍ تطل على أشجار المانغروف والساحة المركزية.
- بينما يرتفع البرج “ب” إلى 13 طابقًا، ويتمتع بواجهةٍ مزدوجةٍ تُتيح إطلالاتٍ على أشجار المانغروف والساحة من جهة، وعلى المرسى من جهةٍ أخرى.
- يضم كلا البرجين وحداتٍ سكنيةً متنوعةً تتكون من شققٍ بغرفة نومٍ واحدةٍ، وغرفتين، وثلاث غرف نوم، بينما تُخصص الطوابق العليا لشقق بنتهاوس دوبلكس فاخرة بأربع غرف نوم.
- صُممت هذه الشقق كقطعٍ فنيةٍ خفيفةٍ على قاعدةٍ خرسانية، تتميز كلٌ منها بشرفاتٍ خاصةٍ، وتظل محميةً تحت تيجانٍ معماريةٍ متقنة. تستوعب هذه التيجان جميع التجهيزات التقنية، مُدمجةً الوظائف العملية ضمن تصميمٍ معماريٍ أنيق.
أهم الجوائز والتكريمات
نال خوري تقديراً دولياً واسعاً، منها:
- جائزة Borromini للعمارة في روما (فئة المعماريين الشباب).
- عُرضت أعماله في أهم المتاحف مثل مركز بومبيدو في باريس.
- حاضر في كبرى جامعات العالم كأستاذ زائر، ملهماً جيلاً جديداً من المعماريين للبحث عن “الحقيقة” لا “الجمال الزائف”.
خاتمة
برنارد خوري هو المعماري الذي تجرأ على النظر في مرآة بيروت المكسورة وعكس صورتها كما هي، دون تجميل أو تزييف. تظل أعماله شاهدة على قدرة العمارة على أن تكون لغة حوار بين الماضي المؤلم والمستقبل الطموح. إنه لا يبني جدراناً، بل يبني مواقف وتساؤلات ستظل قائمة ما بقيت هذه المباني تنبض بالحياة في قلب بيروت.
المراجع:



