المعماري فاروق الجوهري
المعماري فاروق الجوهري: بين الحداثة والهوية المعمارية
يُعدّ المعماري فاروق الجوهري (Farouk El-Gohary) أحد أبرز المعماريين المصريين في النصف الثاني من القرن العشرين، بل وأحد أهم روّاد العمارة العربية المعاصرة. فقد امتلك رؤية معمارية خاصة تمزج بين الحداثة والابتكار من جهة، وبين استدعاء واعٍ للتراث المصري والإنساني من جهة أخرى. ونتيجة لذلك، اشتُهر بقدرته على تقديم واجهات معمارية جريئة، توفّق بين التكوينات المعاصرة والهوية الثقافية المحلية، تاركًا بصمة واضحة في مصر، وكذلك في العاصمة الإماراتية أبوظبي.
المعماري فاروق الجوهري: الميلاد والبدايات المبكرة
وُلد المعماري فاروق الجوهري في مدينة سمنود بمحافظة الغربية يوم 31 أكتوبر 1937. ومنذ طفولته المبكرة، ظهرت عليه علامات نبوغ استثنائي؛ إذ انتقل من الحضانة مباشرة إلى الصف الثاني الابتدائي. وبعد ذلك بسنوات قليلة، حصل على الشهادة الابتدائية وهو في العاشرة من عمره فقط، محققًا المركز الأول على مستوى مدارس محافظة الغربية، في سابقة تعكس مبكرًا ملامح شخصيته العلمية المتفردة.
من سمنود إلى أسيوط… ثم القاهرة: تشكّل وعي المعماري د. فاروق الجوهري
وبسبب طبيعة عمل والده في محالج القطن، انتقلت الأسرة إلى مدينة أسيوط، وهناك واصل المعماري د. فاروق الجوهري تعليمه الثانوي، حتى حصل على شهادة الثانوية العامة عام 1954. ولم يكن تفوقه عاديًا، بل جاء ضمن أوائل الجمهورية، في زمن كان عدد المتقدمين للثانوية العامة لا يتجاوز عشرة آلاف طالب.
بعد ذلك، انتقل إلى القاهرة ليلتحق بكلية الهندسة – جامعة القاهرة، لتبدأ مرحلة جديدة شكّلت الأساس الحقيقي لمسيرته المعمارية والفكرية.
ذكريات القاهرة الأولى: موقف إنساني كاشف لشخصية المعماري د. فاروق الجوهري
يحكي الجوهري عن وصوله إلى القاهرة لأول مرة، مستحضرًا قصة الزعيم مصطفى كامل مع علي باشا مبارك. ومن هنا، قرر أن يخوض تجربة مشابهة؛ فتقدّم بطلب لمقابلة وزير التعليم آنذاك الدكتور حسين القباني، وشرح له ظروف اغترابه عن أسرته.
وبالفعل، قُدّر موقفه، وتم نقل والده إلى القاهرة، لتجتمع الأسرة من جديد. وهنا، تتجلى مبكرًا شخصية المعماري د. فاروق الجوهري: وعي، شجاعة، وإيمان بقيمة التعليم والإنسان.
التفوق الجامعي ولقاء جمال عبد الناصر
نتيجة لهذا المسار المتصاعد، تخرّج المعماري فاروق الجوهري من كلية الهندسة بتفوق لافت، وتم تكريمه في عيد العلم، حيث صافحه الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه. وكان عمره آنذاك 19 عامًا فقط، ليُعدّ أصغر طالب متفوق في دفعته، وهو ما دفع زملاءه إلى كتابة اسمه على سور الكلية احتفالًا به.
لاحقًا، حصل الجوهري على درجة الماجستير في العمارة الحديثة من جامعة ليفربول عام 1963 دون معادلة، ثم واصل رحلته العلمية بالحصول على الدكتوراه من جامعة لندن عام 1966.
المعماري فاروق الجوهري والمساهمات الأكاديمية
إلى جانب ممارسته المهنية، كان المعماري د. فاروق الجوهري أستاذًا بكلية الهندسة – جامعة عين شمس، حيث استمر لأكثر من نصف قرن في تدريس التصميم المعماري والتخطيط العمراني. وخلال تلك الفترة، أسهم في تخريج أجيال متعاقبة من المعماريين، وأشرف على العديد من الرسائل العلمية والأبحاث المتخصصة.
كما تولّى رئاسة قسم التخطيط العمراني، ويُعدّ بحق أحد روّاد الحداثة في العمارة العربية المعاصرة، سواء على المستوى الأكاديمي أو التطبيقي.
فلسفة المعماري فاروق الجوهري المعمارية
ترتكز فلسفة الجوهري على عمارة ما بعد الحداثة، التي لا تنفصل عن التراث الإنساني، بل تعيد قراءته وتوظيفه ضمن لغة تصميمية معاصرة. ولذلك، اعتمد على:
- استلهام التراث المصري والإنساني.
- الدمج بين التشكيل الحديث والخامات التكنولوجية.
- خلق عمارة تخاطب العقل والوجدان وتثير الدهشة.
وقد تجلّى ذلك في توجهه نحو العمارة العنكبوتية، والعمارة ذات الخرسانة الظاهرة (Brutalism)، كما في مدرجات جامعة عين شمس التي تنتمي بوضوح إلى المدرسة الوحشية.
المعماري فاروق الجوهري وعلي لبيب جبر
بداية المسيرة المهنية: بعد التخرج، التحق الجوهري بمكتب المعماري الكبير علي لبيب جبر، أحد روّاد العمارة المصرية الحديثة. وقد مثّلت هذه المرحلة مدرسة عملية حقيقية، حيث أُسندت إليه مسؤوليات تصميمية كبيرة، من بينها إعداد مناظير مشروع المطابع الأميرية بالكامل، في تجربة صقلت وعيه المهني مبكرًا.
أهم أعمال المعماري فاروق الجوهري
1. مبنى الإبراهيمي – أبوظبي
يُعد هذا المبنى من أشهر أعماله المعمارية خارج مصر، وهو برج أسطواني مكوّن من 16 طابقًا، يتميز بواجهة خرسانية مركّبة تعكس طموحات الحداثة في الثمانينيات، وأصبح لاحقًا علامة بارزة في أفق أبوظبي.
2. مجمع وزارة المالية والجمارك
قدّم الجوهري في هذا المشروع معالجة رمزية ذكية، مستلهمة من فكرة “الخزنة” الفرعونية، مع واجهات تشبه المشربيات العربية، وتكوين إنشائي يعتمد على الأعمدة المتدرجة، ونفذته شركة المقاولون العرب.
3. واجهات المباني التجارية بمدينة نصر
خصوصًا في شارع عباس العقاد، حيث قدّم واجهات ديناميكية جريئة، استخدم فيها الكتلة واللون والخامة كعناصر تشكيل أساسية.
4. المطارات والمنشآت الكبرى
منها مطار الأقصر ومطار أسوان، إضافة إلى تطوير استاد القاهرة الدولي وقاعة المؤتمرات، ومبانٍ سيادية مثل مبنى الأمن العام المصمم على هيئة الهرم المقلوب.
التراث والتأثير المعماري
وبناءً على هذا الإرث، ترك الجوهري تأثيرًا عميقًا في العمارة المصرية والعربية، من خلال:
- الدمج الواعي بين الحداثة والهوية.
- إعادة تعريف دور الواجهة المعمارية.
- نقل مفاهيم التصميم المعاصر إلى سياقات محلية.
خاتمة
في الختام، يمثّل المعماري فاروق الجوهري حلقة وصل نادرة بين التراث المصري والحداثة العالمية. ورغم أن اسمه قد لا يحظى بالشهرة العالمية نفسها لبعض المعماريين الغربيين، فإن تأثيره المعماري والفكري يظل حاضرًا بقوة في المشهد العمراني العربي. فعماراته ليست مجرد مبانٍ، بل نصوص بصرية تحكي قصة المكان والزمان.
وبذلك نكون قد وصلنا لنهاية حلقتنا النهاردة، ونتابع في اللقاء القادم الحديث عن شخصية معمارية جديدة ظهرت في بدايات القرن العشرين حيث سنسلط الضوء على: فتابعونا.
المراجع:
للحصول على مزيد من المعلومات برجاء متابعى على المنصات التالية:
الفيسبوك: https://www.facebook.com/profile.php?id=100088893776257
اليوتيوب: https://www.youtube.com/@ashrafrashad8031
التيك توك:https://www.tiktok.com/@ashraf.r1
الانستاجرام:https://www.instagram.com/ashraf.rashad.58/



