Web Analytics
نشأة الكون - السيرة العطرة

مقدمة للسيرة النبوية

مقدمة للسيرة النبوية:

تُعدّ السيرة النبوية صفحات مشرقة من تاريخ البشرية، تجتمع فيها أحداث النبوة، وعظمة الرسالة، وروعة النموذج الإنساني الكامل الذي قدّمه النبي محمد ﷺ للعالم. فهي ليست مجرد تاريخ تُروى أحداثه، بل هي فنٌّ من فنون التربية، ومنهج للحياة، ودليل عملي لفهم الإسلام في أرقى صوره.
ومن خلال دراسة السيرة النبوية، يتعرف القارئ على الصورة العملية التي تجسّد الإسلام واقعًا ومنهجًا وسلوكًا. فمن خلالها نتعرّف على شخصية النبي ﷺ في جميع مراحل حياته؛ طفولةً وشبابًا ورجولة، وفي بيته ومع أصحابه، وفي دعوته وجهاده، وفي صبره وقيادته وبنائه للدولة والمجتمع.

نتعرف على بدايات الدعوة في مكة، ومعالم الهجرة إلى المدينة، وملامح بناء الدولة الإسلامية، وكيف تحولت أمة متفرّقة إلى مجتمع راسخ يقوم على الأخوة والعدل والإيمان. إن السيرة النبوية هي البوابة لفهم شخصية النبي ﷺ وقيمه وأخلاقه، وكيف جمع بين الحكمة والرحمة والقوة والحلم في آن واحد.

فترة العهد المكي

 الباب الاول – فترة العهد المكي:- ويتناول الفترة من ميلاد الرسول بمكة المكرمة في12 ربيع الأول 53 ق.هـ الموافق 22 أبريل 571م حتى بداية البعثة سنة 13ق.هـ  610م وسنتناول هذا الباب ضمن اربعة فصول وهي:

 الفصل الاول – الميلاد والنشأة

1. نسب النبي :

النبي ﷺ أشرف الناس نسباً، وأكملهم خلقاً وخلقا،ً هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان[7]، وهذا القسم من نسبه الشريف متفق عليه، فبطون قريش كلها تلتقي عند فهر، وقبائل العرب الشمالية تلتقي جميعاً عند عدنان٠ وينتسب عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، قال  : [إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم][8] ، ولقد طهر الله نسبه الشريف من سفاح الجاهلية كما ورد عنه ﷺ حيث قال: [خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن أدم إلى أن ولدني أبي و أمي، ولمم يصبني من نكاح الجاهلية شئ] [9]   

2. ولادته :

حين حملت به أمه “أمنة بنت وهب بن عبد مناف” رأت في منامها كأن نوراً قد خرج منها، فأضاء ما بين المشرق والمغرب، وتقول أمنة لزوجها: لقد رأيت الليلة كأن شعاعاً من النور ينبثق من كياني، فيضئ الدنيا من حولي، حتى لكأني أرى قصور كسرى من أرض الشام، وسمعت هاتفاً يهتف بي، إنك قد حملت بسيد هذه الامة. ولد في مكة في في صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الاول لأول عام من حادثة الفيل ولاربعين سنة خلت من ملك كسرى أنو شروان ويوافق يوم الاثنين العشرين من شهر إبريل سنة 571 من الميلاد، ولد يتيم الأب، فقد مات أبوه عبد الله وأمه حامل به لشهرين، فاعتنى به جده عبد المطلب.

تقول زوجة أبي العاص: كنت مع امنة بنت وهب وقت ولادتها لرسول الله، فما كنت أنظر إلى شئ في البيت إلا أجده نوراً، ولقد رأيت النجوم تدنو، حتى خشيت أن تقع علي. وفي يوم مولدة ﷺ، إنكسر إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشر شرفة، كما إنطفأت نار فارس التي كانوا يعبدونها من دون الله، وكان قد مضى عليها مشتعلة ألف عام. يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته في مدح الرسول:

وُلِــدَ الهُــدى فَالكائِناتُ ضِيــاءُ *** وَفَمُ الزَمـــــانِ تَبَسُّمٌ وَثَـنــــــــاءُ
الروحُ وَالمَــلَأُ المَلائِكُ حَــولَهُ *** لِلـــدينِ وَالــدُنيــا بِهِ بُشَــــــــراءُ
وَالعَرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي *** وَالمُنتَهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ
وَحَديقَةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُبا *** بِالتُــرجُمـــانِ شَذِيَّةٌ غَنّــــــــــــاءُ
وَالوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلًا مِن سَلسَلٍ *** وَاللَـــوحُ وَالقَلَمُ البَديــعُ رُواءُ

3. فترة رضاعه :

استرضع له جدة عبد المطلب امرأة من بني سعد يقال لها: حليمة بنت أبي ذؤيب بن الحارث، واسم زوجها أبو كبشة وهو الذي كانت قريش تنسب له رسول الله حينما يريدون الاستهزاء به فيقولون: هذا بن ابي كبشة، وجرت البركة على أهل هذا البيت مدة وجود الرسول بينهم تقول حليمة السعدية: قدمت في سنة شهباء (جدباء)، على أتان لي ومعي صبي لنا وشارف (ناقة)، فقدمنا مكة، فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه.

إذا قيل أنه يتيم الأب، فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعاً غيره، فلما لم أجد غيره قلت لزوجي إني لأكره أن أرجع من بين صاحباتي وليس معي رضيع، لأنطلق إلى ذلك اليتيم فلآخذنه” فأخذته حليمة،  وبدأت كرامات الرسول ﷺ على حليمه من بداية عودتها من مكه، تقول حليمة: كان اللبن في ثديي قليلاً جداً، لكن ما إن أخذت محمداً، ووضعته على رجلي لأرضعه حتى شعرت باللبن وكأنه يملاء كل جسمي.  وبينما أنا في دهشتي وتعجبي من كثرة اللبن في ثديي، إذا بزوجي ينادي: يا حليمة.. إن ناقتنا العجوز قد إمتلاء ضرعها باللبن، و كانت ناقتها هزيله و بالكاد تمشي فوجدت بركة في ثديها، وآل بيتها، وأغنامها، وأرضها التي كانت تعاني من الجدب. الامر الذي جعلها لا ترغب باعادته الى اهله لما رأت من كراماته المباركه العديده.

4. حادثة شق الصدر:

وقعت عندما كان يلعب مع أقرانه في بادية بني سعد، فعن أنس بن مالك أن رسول الله r أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه – أي جمعه وضم بعضه إلى بعض – ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره [6].

5. فقده لأمه وكفالة جده عبد المطلب ثم عمه ابو طالب:  

فقد النبي ﷺ أمه وعمره ست سنوات حيث وافتها المنية نحو سنة 47 ق هـ الموافق 577م اثناء رجوعها من زيارة اخواله من بني عدي بن  النجار في يثرب، ودُفنت في الأبواء وهي موضع بين مكة والمدينة المنورة. وحضنته أم أيمن فكانت أماً له، وتربى في كنف جده عبد المطلب، وكان يؤثرة على أبنائه، وظل يحوط النبي ﷺ برعايته، حتى أحس بلحظة الفراق، فعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب، و توفي عبد المطلب وعمر النبي ثمان سنوات. وقام أبو طالب برعاية ابن اخيه خير قيام، وكان يفضله على سائر اولاده ويقدمه عليهم، وظل يبسط عليه حمايته، ويخاصم من اجله، حتى مات بعد عشر سنوات من البعثة.

6. حفظ الله تعالى لنبيه قبل البعثة:  

  • لقد حفظ الله نبيه ﷺ في صغره من كل أعمال الجاهلية التي جاء الشرع الشريف بضدها، وبُغضت إليه الأوثان بغضا شديدا حتى ما كان يحضر لها احتفالا أو عيدا، وعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متع الدنيا، تتدخل العناية الالهية لحفظه من كل ما لا يتفق مع مقتضيات الدعوه التي هيأه الله لها.

ويذكر رسول الله ﷺ بعض مظاهر حفظ الله له قبل النبوة وفي صغره من نزعات الشباب ودواعيه قال r: «ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به، إلا مرتين من الدهر، كلتيهما يعصمني الله منهما، قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في أغنام أهله يرعاها: أبصر إلي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء وضرب دفوف ومزامير، فقلت: ما هذا؟!

فقالوا: فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا حر الشمس فرجعت فقال: ما فعلت؟! فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فلهوت بما سمعت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مسُّ الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي فقال: فما فعلت؟! قلت : ما فعلت شيئاً، قال رسول الله ﷺ: [فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته][8].

7. كسب الرزق و عمل النبي بالرعي:  

كان أبو طالب مُقلاًّ في الرزق، فعمل النبي ﷺ برعي الغنم مساعدة منه لعمه، قال رسول الله ﷺ:[ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم” فقال: أصحابه: وأنت؟ قال: “نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة][7]. ولقد اتاح رعي الغنم للنبي ﷺ الهدوء الذي تتطلبه نفسه الكريمة، والمتعة بجمال الصحراء، والتطلع إلى مظاهر جلال الله في عظمة الخلق، ومناجاة الوجود في هدأة الليل وظلال القمر ونسمات الأشجار، وكذلك اتاح له لونًا من التربية النفسية من الصبر والحلم والأناة، والرأفة والرحمة، والعناية بالضعيف حتى يقوى، فكان رعي الغنم للنبي ﷺ تدريب ومرانًا له على سياسة الأمم بعد ذلك.

8. لقاء بحيرا الراهب:  

خرج رسول الله  ﷺ مع عمه أبي طالب للتجارة في الشام عندما كان عمره اثنتي عشرة سنة، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له: بحيرا في صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية، وحين رأى بحيرا النبي وغمامة تظله من بين القوم، حتى نزل في ظل شجرة قريبا منه، فدعا بحيرا القوم إلى طعام، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداثة سنة في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش، لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي. قالوا له: يا بحيرا، ما تخلف عنك أحد، ينبغي له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سنّا، فتخلف في رحالهم، فقال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم.

ولما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرا فقال: يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه. وإنّما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فقال رسول الله ﷺ: “لا تسلني باللات والعزى شيًئا، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما”.

فقال له بحيرا: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه. فقال له: [سلني عما بدا لك]. فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله ﷺ يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حًّيا. قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات، وأمه حبلى به. قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله! لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنّه شرًّا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده[8].

9. حرب الفجار:  

  • (43 -33 ق هـ / 580م – 590م): شارك وهو في الخامسة عشر من عمره في النزاع القبلي المعروف باسم “ايام العرب” فشهد حرب الفجار التي قادتها قريش مع حليفتها قبيلة كنانة وبين قبائل قيس عيلان (ومنهم هوازن وغطفان وسليم وثقيف) بسبب الاعتداء على إحدى قوافل النعمان ملك الحيرة وهي في طريقها إلى مكة في الاشهر الحرم، وهي الحرب الوحيدة التي شارك بها النبي ﷺ في الجاهلية قبل بعثته بدين الإسلام، وقد قال:[كنت أنبل مع أعمامي ][9]، أي يجهز لهم النبل للرمي ويجمع السهام. وسميت بالفجار لما استحل فيه هذان الحيان من المحارم بينهم في الأشهر الحرم ولما قطعوا فيه من الصلات والأرحام بينهم [10].

10. حلف الفضول:  

(ذي القعدة سنة 33 ق هـ / 590 م بعد شهر من انتهاء حرب الفجار)

أعقب تلك الحرب سعي بعض رجال قريش إلى عقد حلف لنصرة المظلوم، وقد عقد الحلف في مكة في دار عبد الله بن جدعان التيمي القرشي أحد سادات قريش وذلك بين بنو هاشم وزهرة وبنو تيم بن مرة من عشائر قبيلة قريش، وتحالفوا وتعاقدوا ليكونوا يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يرد إليه حقه، وسمت قريش هذا الحلف بحلف الفضول، وقالوا لقد دخل هؤلاء في فضل من الامر. وقد شهد النبي محمد هذا الحلف قبل بعثته وله من العمر 20 سنة، وقال عنه لاحقا: [لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت] [11].

11: تجارة النبي بمال خديجة وزواجه منها:  

كان رسول الله ﷺ في شبابة وقبل زواجة من السيدة خديجة، تاجراً ميسور الحال، وكانت خديجة بنت خويلد  أرملةً، وكانت ذات شرف ومال، تستأجر الرجال ليتاجروا بمالها، فلما بلغها عن محمد صدق حديثه، وكرم أخلاقه، وعظم أمانته، وصفة الامانة والصدق في التجارة من صفات التاجر الناجح، لذا عرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجرا وتعطيه أفضل ما تعطي غيره من التجار، فقبل وسافر معه غلامها ميسرة، وقدما الشام، وباع محمدٌ ﷺ سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد من السلع،

فلمَّا رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالِها من البركةِ ما لم تَرَ قبلَ هذا وأخبرت بشمائله الكريمة، فتحدثت بما في نفسِها إلى صديقتها نفيسة بنت  منبه، التي ذهبت إلي محمد ﷺ  تفاتحه أن يتزوج خديجة فرضي بذلك، وعرض ذلك على أعمامه، فوافقوا كذلك، وخرج معه عمُهُ حمزةُ بنُ عبدِ المطلبِ فخطبها إليه، وتزوجها رسول الله ﷺ وأصدقها عشرين بَكرةً، وقد كان عُمْرُ رسولِ الله ﷺ حين تزوج خديجةَ  خمسًا وعشرين سنة، وكان عمرها أربعين سنة.

12: بناء الكعبة ووضعه الحجر الاسود في مكانة:   

اجتمعت قريش على إعادة بناء الكعبة بعد أن أصابها حريق وتهدمت جدرانها بسبب سيل عارم. وكان عمر النبي ﷺ خمسًا وثلاثين سنة حين شَرُف بالمشاركة في البناء مع سادة قريش وشيوخها. وبعد أن ارتفع البناء وكاد يكتمل، نشب خلاف شديد بين القبائل حول من ينال شرف وضع الحجر الأسود في مكانه، واستمر النزاع أربعة أيام وكاد أن يتحوّل إلى حرب داخل الحرم.

اقترح أبو أمية بن المغيرة—وكان أكبرهم سنًا—أن يُحكّموا أول داخل من باب المسجد. فشاء الله أن يكون الداخل هو النبي محمد ﷺ، فلما رأوه قالوا: “هذا الأمين، رضيناه حكمًا”.

وبحكمة بالغة، أدرك النبي ﷺ أن إعطاء هذا الشرف لقبيلة واحدة سيؤجج النزاع، فطلب إحضار رداء، ووضع الحجر بيده الشريفة في وسطه، ثم دعا كل قبيلة لتختار كبيرها ليمسكوا بأطراف الرداء جميعًا ويرفعوه معًا. فلما بلغوا موضعه، أخذ النبي ﷺ الحجر ووضعه بيده في مكانه، فرضيت كل القبائل وهدأت الفتنة.

وبهذا الموقف أرسى رسول الله ﷺ مبدأ حلّ النزاعات بالحكمة والإنصاف، وأثبت مكانته المرموقة بين قومه، إذ أشرك الجميع في شرف رفع الحجر ومنع حربًا كانت وشيكة.

وبعد اكتمال البناء، بلغ ارتفاع الكعبة ثمانية عشر ذراعًا، ورُفع بابها عن الأرض بدرج لئلا يتسرب إليها الماء، وللتحكم فيمن يُسمح له بالدخول. كما اشترطت قريش أن تكون نفقة البناء من مالٍ حلال، فقصرت بهم النفقة عن إكمالها على قواعد إبراهيم، فتركوا جزءًا من الأساس خارج البناء وهو الحِجر المعروف اليوم.

13: الخلوة وبدء الرسالة بنزول الوحي على النبي في غار حراء 

كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، وقد حبب إلى رسول الله الخلوة فكان ﷺ يرتقي جبل قرب مكة ويخلو بنفسة في غار حراء الأيام والليالي ذوات العدد، يقضي وقته في عبادة ربه والتفكَّر فيما حوله من مشاهد الكون، ويتفكر في حالة قومه وفي أوضاعهم وفي تقربهم من الاوثان، وهو غير مطمئن لما عليه قومه، ولكن ليس بين يديه طريق واضح ولا منهج محدد يطمئن إليه و يرضاه، ويتفكر في مصير الانسان بعد الموت.

وكان أكثر ما يقيم فيه خلال شهر رمضان المبارك، يترك أم المؤمنين خديجة وينصرف عنها وينقطع بنفسه في هذا الغار للتفكر والالتجاء إلى الله عز وجل. قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود ثم يرجع ليخلو بغار حراء، وكانت خديجة زوجة ملء السمع والبصر، يسعدها ما يسعده، يرضيها ما يرضيه، يسرُّها ما يسره ، تحبُّ كل ما يحب رسول الله، وما دام يحب العزلة والخلوة بنفسه فليكن له ما يحب، كانت فقط تقلق عليه، وأحياناً كان ﷺ يتأخر في العودة إليها، فترسل غلمانها وخدمها في طلبه والبحث عنه، وتخشى أن يصيبه مكروه.

 وفي يوم الإثنين لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، الموافق (13 ق.هـ /6 اغسطس سنة 610م)، بينما كان رسول الله يتعبد في غار حراء متأملاً متفكراً مقلباً وجهه في السموات، نزل عليه جبريل عليه السلام و بعث ﷺ في الأربعين من عمره، وهو سن الكمال، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء[13]  فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: [ ما أنا بقارئ] قال: ” فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [14].

إن الاتصال الذي حدث بين أمين وحي السماء جبريل عليه السلام، وأمين وحي الأرض محمد ، وضَمَّ الأمين السماوي للأمين الأرضي ضمةً شديدة ـ أي أنك لست في منام، أنت في اليقظة، ليتم الاتصال بين الجسد الأرضي والجسد النوراني السماوي، ويسري النور ثم قال: اقرأ، أول كلمة في القرآن اقرأ، فديننا كله علم، يقول الاستاذ الرافعي:”عجباً لهذة الامة كيف تركن إلى الجهل، وأول دينها هو نهاية العلم”[15].

فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال:[ زملوني زملوني] فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لها: [لقد خشيت على نفسي] فقالت: كلا والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. ونجحت في تهدئة الرسول ﷺ .

  • وهنا أدركت خديجة  بفطرتها أن هذا الامر لابد أن يعرض على أهل الثقة والخبرة لضمان توفر رجاحة العقل عند الشخص المستشار، من عنده العلم وتضمن ألا يشي بزوجها فلم تجد أفضل من ابن عمها، فانطلقت به إلى ورقة بن نوفل، وكان شيخاً كبيراً قد عمي وقد توصل بعقلة وقلبة إلى وحدانية الله تعالى ومن خلال تعرفة على الاديان وجد أن النصرانية هي الاقرب لمعرفة الله فاعتنفها في الجاهلية، فقالت له خديجة: يا بن عم إسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى عليه السلام يا ليتني فيها جذع ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال ﷺ : [أو مخرجي هم؟  قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً] [16]، ثم لم يلبث ورقة أن توفى وفتر الوحي.
  • أنواع الوحي: تعددت طرق الوحي التي كان يوحي بها الله تعالى لنبيه محمد r، وكان النبي r يعاني من التنزيل عليه بالوحي، ويظهر ذلك بالعرق الذي كان يسيل من جبهته وجبينه في اليوم الشديد البرد، إلا أن بعض صور الوحي كانت عليه يسيرة كتشكل جبريل بصورة رجل، إلا أن أشدَّها عليه ﷺ كانت مجيئ الوحي على مثل صلصلة الجرس، ومن صور الوحي ما يلي:
  • الرؤيا الصادقة: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح [17].
  • الالهام: وهو أن ينفث الملك في روعه- أي قلبه من غير أن يراه- كما قال r: [إِن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا اللهَ وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية اللهِ فإن ما عند اللهِ لا ينال إلا بطاعته] [18]
  • أن يأتيه مثل صلصلة الجرس: في القوة وهو أشده،سأل الحارث بن هشام رسول الله ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : [أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول][19]
  • أن يرى الملك في صورته التي خلقه الله عليها: عن مسروق أنه سأل عائشة  عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [20] وقوله {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [21] فقالت: سألت عن ذلك رسول اللَّهِ ﷺ فقال: [إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض] [22].
  • أن يتمثل الملك في صورة رجل: وقد يراه بعض الصحابة، كما في حديث جبريل المشهور، وقد تمثل للنبي ﷺ بصورة الرجل الغريب، فسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان .
  • أن يوحي إليه الله بلا واسطة: تكليم الله تعالى مباشرة من وراء حجاب، يقظة كما حصل ليلة المعراج. 

خاتمة

ختامًا، فإن السيرة النبوية ليست مجرد سرد لأحداث مضت، بل هي حياة تتجدد مع كل قراءة، ومنهج شامل يرسم الطريق لكل من أراد فهم الإسلام من منبعه الصافي. لقد قدّمت السيرة للعالم نموذجًا فريدًا في القيادة والرحمة والعدل، ورسالة خالدة تُذكّر البشرية بأن النور الذي بعث به النبي محمد ﷺ ليس حكرًا على زمنه، بل هو هداية ممتدة لكل الأجيال. ودراسة السيرة هي أول خطوة نحو الاقتداء بالنبي ﷺ والتعمق في رسالته التي أخرجت العالم من الظلمات إلى النور.

وبذلك نصل لنهاية الفصل الاول – الميلاد والنشأة، وكان المقال عن: مقدمة للسيرة النبوية، موعدنا اللقاء القادم مع الفصل الثاني – مرحلة التبليغ وبناء الفرد المسلم والدعوة خارج مكة : مرحلة التربية الروحية.

المراجع:

[1] (البقرة/143)

[2] (التاريخ الإسلامي – السيرة للاستاذ محمود شاكر – ص: 23)

[3] (صحيح البخاري: كتاب مناقب الانصار باب مبعث النبي ص: 680)

[4] (صحيح مسلم: باب فضل نسب النبي، 4/1782 رقم الحديث 2276)

[5] (رواه الطبراني وصححه الحاكم في المستدرك – عن علي بن أبي طالب)

[6] (صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء 1/147 حديث 261)

[7] (صحيح البخاري: كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط، رقم الحديث 2262 – القيراط جزء من الدينار أو الدرهم)

[8] (رواه ابن حبان، صحيح السيرة النبوية، إبراهيم العلي – ص: 57)

[9] (حديث بحيرا الراهب رواه الترمذي 3624 والبيهقي: دلائل النبوة (362)، وابن هشام: السيرة النبوية 1/320-322)

[10] (السيرة النبوية لابن هشام – 1/ 221:224)

[11] (البداية والنهاية – ابن كثير – ج ٢- الصفحة ٣٥٣)

[12] (رواه عبدالرحمن بن عوف – فقه السيرة – 72، السيرة النبوية لابن هشام – 1/ 134)

[13] (عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين)

[14] (العلق: 1 – 5)

[15] (مصطفى صادق الرافعي في كتاب وحي القلم، الجزء الثاني، من مقالة بمناسبة الاسراء والمعراج)

[16] (رواه البخاري ومسلم 1/139 رقم الحديث (743)

[17] (رواه البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله)

[18] (رواه الحاكم في ” المستدرك ” ( 2 / 4 ) من حديث أبي أمامة، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 2085 ) .)

[19] (البخاري، كتاب بدء الوحي – رقم الحديث: 2 – عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة)

[20] (التكوير: 23)

[21] (النجم:/ 13-14)

[22] (رواه مسلم ( 177 )

للحصول على مزيد من المعلومات برجاء متابعى على المنصات التالية:

الفيسبوكhttps://www.facebook.com/profile.php?id=100088893776257

اليوتيوب: https://www.youtube.com/@ashrafrashad8031

التيك توك:https://www.tiktok.com/@ashraf.r1

الانستاجرام:https://www.instagram.com/ashraf.rashad.58/

م. أشرف رشاد

هنا يمكنكم الاطلاع على فنــــــــــــون العمارة المختلفة ولان العمارة هي ام الفنون فسنلقي الضوء على المبادئ الأساسية للهندسة المعمارية مثل: تاريـــــــــــــــــخ وطرز العمارة عبر العصور المختلفة، وأهم النظريات والمدارس المعمارية، وكذلك التصميم المعماري عبر تحليل الأفكار المعمارية للمشاريع المختلفة، وأعمال الديكورات الداخلية والتشطيبات، نسأل الله أن ينفع بهذا العمل ويكون خالصاً لوجهه الكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى